جامع الأزهر يعقد اليوم حلقة جديدة من ملتقى الطفل تحت عنوان: ” الطفل الخلوق – النظيف – الفصيح”

عقد الجامع الأزهر الشريف اليوم، حلقة جديدة من ملتقى الطفل، والذي يأتي تحت عنوان: ” الطفل الخلوق – النظيف – الفصيح”، وذلك في إطار مواصلة الجامع الأزهر والرواق الأزهري، جهودهما في توعية النشء بالآداب الإسلامية والأخلاقيات السليمة النابعة من صحيح الدين، وحاضر في الملتقى الدكتور إيهاب إبراهيم، الباحث بوحدة العلوم الشرعية والعربية بالجامع الأزهر الشريف، والدكتور محمود عبد الجواد، الباحث بوحدة العلوم الشرعية والعربية بالجامع الأزهر الشريف.
فى البداية قال د. إيهاب إن الوفاء بالعهد قيمة إنسانية وأخلاقية عظمى ترسي دعائم الثقة في الأفراد، وتؤكد على التقارب في المجتمع، وإلاَّ فُقِدَتْ الثقة وحلَّت الخيانة مكان الأمانة، وانتقضت بذلك عرى الصدق والثقة.

وتابع: لا غنى للإنسان في حياته من معاملة إخوانه ومعاملتهم له، فهو بحاجتهم وهم بحاجته، ومع هذه المعاملة في الأخذ والعطاء والجلساء والخلطاء تقوم عهود ومواثيق وتنبثق اتفاقات ومواعيد، وكل هذه جوانب أخلاقية وقيم إنسانية لابد من مراعاتها والوفاء بها.

وبيّن الباحث أن الوفاء بالعهد أدب ربَّاني كبير، وخلق نبوي حميد وسلوك إسلامي نبيل، وأمر الله به في كتابه فقال: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، وقد جعل الله صاحبها مسؤولاً عنها يوم القيامة: (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً). إن ما ينشئه الناس بينهم من عقود وعهود ووعود ليس كلامًا إنشائيًا، ولكنها قيم ومبادئ لا يجوز بحال من الأحوال نكثها وإخلافها، ولو أدى ذلك إلى الإضرار به وإيقاع الأذى، ولو كان فيه حتفه وقطع رقبته، ولذا يقال: “وعد الحر دَيْن”. ولذلك كان في مقدمة أولئك الوافين بالعهود الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فهذا الخليل إبراهيم جاء وصفه في القرآن الكريم نديًا رطبًا بهذه الصفة الجليلة؛ قال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، نعم، وفَّى حين ابتلاه الله بكلمات من الأمر الإلهي فأتمهنَّ، وفَّى حين قدَّم ولده إسماعيل قربانًا تنفيذًا لأمر الله تعالى، وفَّى حينما ألقي في النار فصبر ابتغاء مرضاة الله وثباتًا على دين الله تعالى.

وأردف: كان الوفاء بالوعد صفة إسماعيل -عليه الصلاة والسلام- حينما عطَّر الله ذكره فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً)، وانظر إلى تقديم هذه الصفة الكريمة على الأخبار بأنَّه رسول نبيُّ. إنها صفة حينما يفقدها البشر يلتحقون بعالم الوحوش الذين لا يعيشون إلا في الغابات.

وأوضح د إيهاب أن الوفاء أولاً قيمة إيمانية قبل كل شيء، كانت واردة في كثير من الآيات؛ منها: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون)، (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء). فالوفاء بالعهد هو قيام المسلم بما التزم به، سواء كان قولاً أم كتابًا، ولا يبرأ إلا بالوفاء به، وعندما يخلف عن قصد يخرج عن نطاق الإيمان ويقع في دائرة النفاق؛ ففي الحديث “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له”. وفي الصحيحين: “ثلاث من كنَّ فيه فهو منافق وإن صام وصلّى وزعم أنه مسلم، إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان”.

وأشار إلى أن العهد ينقسم إلى قسمين الأول: “عهد الله مع الناس”، قال ابن عباس: “كل ما أحلَّ الله وما حرَّم وما فرض في القرآن فهو عهد”، فالإيمان الفطري عهد أخذه الله علينا ونحن في عالم الغيب، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا).

الإحسان بالقول والفعل عهد، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة عهد؛ قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ).

والعدل مع النفس والأهل والزوجة والناس عهد؛ قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى). نشر العلم وبيانه عهد؛ قال تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ)، قال قتادة: “هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن تعلَّم علمًا فليعلمه الناس، وإياكم وكتمان العلم؛ فإن كتمان العلم هلكة”.

وبيع النفس والمال بالجنة في الجهاد في سبيل الله عهد؛ قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ)، قال شمر بن عطية: “ما من مسلم إلا ولله -عزَّ وجلَّ- في عنقه بيعة، وفَّى بها أو مات عليها”. ثم تلا هذه الآية.

والثاني: “عهد مع الناس”، فأما العهود التي بين الناس بعضهم بعضًا فهي كثيرة يختارها الناس، فهي مواثيق وعهود ووعود والتزامات بحاجة إلى الوفاء، وإلا اختلت موازين التعامل والمعاشرة بين الناس، وقد أرشد النبى ﷺ إلى قيمة الوفاء، وضمن الجنَّة لمن أداه؛ قال ﷺ: “اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنَّة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدُّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم”.

وبيَّن أن ناكث العهد خصم، ويكون خصمه يوم القيامة رب العالمين –عزَّ وجلَّ-؛ قال البنى الكريم ﷺ: “قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر -أي حلف باسم الله وعهده-، ورجل باع حرًا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره”. فمن عاهد وواعد وعزم على الوفاء وصدق في عهده كان الله كفيلاً له ومعينًا.

وختم الباحث حديثه بأن العهد بين الله وبين خلقه على عبادته وطاعته، وهي أمانة حملها الإنسان: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا).
وأوصي المسلمين بالوفاء بعهودهم وتأدية أمانتهم، وأن يصلحوا ذات بينهم حتي يبارك الله لهم فيما آتاهم.

ومن جانبه تناول الدكتور محمود عبد الجواد، الباحث بوحدة العلوم الشرعية والعربية بالجامع الأزهر الشريف، شرح إن وأخواتها، حيث قام بتعريفها وبين حالات إعرابها ومواضعها، ودلل على ذلك بالأمثلة التوضيحية.

وفي نهاية الملتقى، اختتم الباحثان حديثهما بالإجابة عن بعض الأسئلة حول الموضوع، وأثناء الشرح استخدم الباحثان بعض الشرائح التوضيحية، معتمدَيْن على أسلوب المناقشة والتحاور مع الأطفال، تشجيعاً لهم على المشاركة.

يذكر أن ملتقى ” الطفل الخلوق والنظيف والفصيح” يعقد يوم السبت من كل أسبوع بالجامع الأزهر، ويتم تنفيذه في بعض المحافظات ، وذلك لتربية النشء على أسس صحيحة، وفهم عميق لأخلاقيات ديننا الحنيف.

زر الذهاب إلى الأعلى