ضوابط فهم السُنَّة النبوية
بقلم الأستاذ الدكتور محمد نصر الدسوقى اللبان
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات بورسعيد جامعة الأزهر
تعرضت السُنَّة النبوية قديمًا وحديثًا لهجمات وطعنات اتخذت ألوانًا وصورًا وأشكالاً متنوعة، تارة بالطعن فى حجيتها جملة بدعوى الاكتفاء بالقرآن الكريم، أو بدعوى التناقض والتضاد الحاصل بين نصوصها فى الظاهر، وتارة بافتراء واختلاق أحاديث ونسبتها زورًا وبهتانًا إلى النبى، صلى الله عليه وسلم؛ لأهداف وغايات معينة، وتارة بالطعن فى رواة السُنًّة، وغمزهم بكثرة الرواية على حساب الفهم.
ومن الطعنات والهجمات التى تواجه السُنَّة النبوية فى هذا العصر سوء الفهم، ليس من أعداء الإسلام فحسب، بل ومن طائفة من أبناء الأمة الإسلامية، الذين لم يتسلحوا بمؤهلات فهم السُنًّة النبوية، فقد يقع الواحد منهم على الحديث الواحد، ويبنى عليه حكمًا، ويكون هذا الحديث عامًا وله مخصص، أو مطلقًا وله مقيد، أو مجملاً وله ما يفسره، أو منسوخًا وله ناسخ، أو واردًا على سبب خاص، ونحو ذلك من الاعتبارات، التى أصل لها علماء الإسلام حتى تفهم السُنًّة النبوية فهمًا صحيحًا، ويدرأ عنها ما قد يظهر عليها- عند البعض- من اختلاف أو تضاد أو تعارض.
وقـد قيض الله عـز وجـل للسُنًّة النبويةـ فى كل عصرـ أعلامًا وأفذاذًا وجهابذة من العلماء بذلوا الغالى والنفيس فى حفظها وضبطها، والذب عن عرينها، وحماية بيضتها، فكانوا بحق أسودًا فى ميدان السُنًّة النبوية، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
ولم تقتصر جهود هؤلاء العلماء على توثيق المرويات، وبيان حال الرواة جرحًا وتعديلاً، بل بذلوا جهودًا كبيرة فى فهم هذه المرويات، وفى رفع ما قد يكون بينها من تعارض وتناقض- فى الظـاهر-بالجمـع والتوفيق، أو بالقـول بالنسخ إن علم التاريــخ، أو بالترجيح بينها بأى وجه من وجوه الترجيح المعتبرة عند العلماءإن تعذر الجمع والنسخ.
وكان من ثمرات هذه الجهود: ظهور علوم معينة تعين على الفهم الصحيح للسُنَّة النبوية، من أهمها:
• علم مختلف الحديث ومشكله.
• علم ناسخ الحديث ومنسوخه.
• علم أسباب ورود الحديث.
• علم غريب الحديث.
ولما كانت السُنًّة النبوية المصدر التالى للقرآن الكريم، تشريعًا وقضاءً ودعوة وتربية وفهمًا، بل كانت المنهج النبوى النظرى والعملى الذى جسد البلاغ القرآنى، وأحال كلمات الله عز وجل واقعًا وحضارة يحياهما الناس الذين آمنوا بهذا البلاغ.
أقول لما كانت السُنًّة النبوية بهذه المنزلة كان فهمها واستنباط الأحكام منها يقتضى أن يكون وفق ضوابط منهجية تجنب الباحثين والدارسين الزلل فى الفهم والاستنباط، سواء أكان الحديث فيما يتعلق بالفقه، أو فيما يتعلق بالدعوة، أو التربية، أو الصحة، أو البيئة، أو الاقتصاد، أو غير ذلك .
وهذا يعنى أنه لا بد من إدراك هذه الضوابط اللازمة لتفسير الأحاديث النبوية، وفهمها فهمًا صحيحًا عند الاستدلال بها، وتنزيلها منزلة الواقع والتطبيق، ويمكن حصرها فى الضوابط التالية:
– الضابط الأول: فى التحقق من ثبوت الحديث وصحته .
– الضابط الثانى: فى عرض الحديث على النصوص القرآنية والنبوية الأخرى .
– الضابط الثالث: فى فهم الحديث وفق أساليب اللغة العربية وطرقها الدلالية .
– الضابط الرابع: فى فهم الحديث فى ضوء سبب وروده، وملابساته المكانية والزمانية
– الضابط الخامس: فى فهم الحديث فى ضوء مقاصد التشريع.
وهذه الضوابط المنهجية ضرورية لفهم معانى الأحاديث النبوية، وحسن تنزيلها على الوقائع والأحداث، وهى بمجموعها تشكل إطارًا عامًا لفهم السُنَّة، ومنهجًا للتعامل معها يعيد للسُنَّة دورها التوجيهى والمعرفى والحضارى فى الأمة.
وهى- فى الحقيقة- ضوابط لجميع النصوص الشرعية، قرآنًا وسُنَّة عدا الضابط الأول المختص بالاستيثاق من ثبوت النص المنقول وقبوله؛ فإنه خاص بالأحاديث الآحادية فقط، لا الأحاديث المتواترة أو القرآن الكريم، وإن منشأ الزلل فى بعض الاجتهادات المعاصرة يعود إلى عدم مراعاة هذه الضوابط أو مراعاة بعضها عند دراسة نصوص القرآن الكريم والسُنَّة النبوية.
ولابد من الاهتمام الخاص بعلم العلل وذلك بجمع وحصر جميع روايات الأحاديث النبوية وتنقيحها من علل الإسناد والمتن، وإعداد مرجع جامع مانع للسُنَّة النبوية وفهرسته وتبويبه فى تقسيمات علمية عصرية، سواء بحسب الموضوعات أم بحسب الحروف الهجائية مع إقران ذلك بشروح مبسطة متفق عليها، وأخرى مفصلة تعرض مختلف الاجتهادات، ويكون هذا المرجع هو جامع ما سبق بذله من جهود جليلة مضنية، واقتطاف لثمرة هذا التراث الخالد العظيم للاستفادة منه.