فضل ليلة النصف من شعبان

بقلم.
فضيلة الأستاذ الدكتور
فتحي محمد الباز/ أستاذ الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية
والعربية للبنات بالمنصورة ونائب رئيس فرع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بالدقهلية

الحمد لله الهادي الى سبل الرشاد ، الموفق إلى معالم السداد ، بيده الخير كله ، وهو على كل شيء قدير والصلاة والسلام على شمس البلاغة وينبوع الفصاحة ومشرق الأنوار. ومهبط الأسرار سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الاخيار الابرار، وبعد فقد حرص السلف الصالح أشد الحرص على الأوقات،خصوصا فيها الأعمال التي حباها الله بمزيد من فضل ونوال علي غيرها من القربات، من صلاة وصيام وذكر وقيام ونحوها من أعمال المبرات. وقد خص الله _ سبحانه وتعالى _ كل وقت منها بوظيفة من الوظائف التى تؤدى في الشهور والأيام والساعات ومن تلك الأيام والليالي،ليلة النصف من شعبان ونهارها فقد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث ، منها ما هو صالح يحتج به ومنها ما هو ضعيف لا يحتج به . فمن الصالح للاحتجاج به ومن تلك الأحاديث مارواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي ثعلبة الخشنى رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملى الكافرين ، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه ” رواه الطبراني وحسنه الالباني

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله ليطلع في ليله النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه ، إلا لمشرك أو مشاحن “. رواه ابن ماجه وابن حبان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه
وقال عطاء بن يسار ” ما من ليله بعد ليله القدر افضل من ليله النصف من شعبان يتنزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيغفر لعباده كلهم ، الا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم ” فينبغي على العبد أن يتحلى بالطاعات التي تؤهله لمغفرة الرحمن ، وان يبتعد عن المعاصي والآثام التي تحجبه عن المغفرة والرضوان، ومن تلك الذنوب الشرك بالله ؛ فإنه مانع من كل خير ، ومنها الشحناء والحقد على المسلمين ، لانه مانع من المغفرة وتنزل الرحمه عليه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين اخيه شحناء ، فيقول : ” أنظروا هذين حتى يصطلحا ” رواه مسلم

فأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله سلامة الصدر من أنواع الشحناء جميعا ، وهي ليله ارضى الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم بالقبله التي يرضاها ” قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبله ترضاها ” ويقول ابن عمر رضي الله عنهما : ” خمس ليال لاترد فيهن الدعوة ” اول ليله من رجب وليله النصف من شعبان وليله الجمعه وليله الفطر وليله النحر فتخيل أن ليله الجمعة ستصادف ليله النصف من شعبان تخيل لو اجتمعت اسباب اجابه الدعاء في يوم واحد ” اللهم فى هذه الليله كما راضيت نبيك الكريم راض قلوبنا بما ننتظره من الخير ، واقدره لنا حيث كان
أسأل الله لى ولاحبابي في ليله النصف من شعبان البركه والرحمه والبراءة بغفران الذنوب وستر العيوب وجبر الخواطر والقلوب ، ونسأله البركة في الرزق والأهل والولد ، وأن يجعلنا من الناظرين إلى جمال النبي المختار ، والى جلال الواحد القهار
بيد أنه لم يثبت في تخصيص هذه الليله بصلاة معينه او دعاء معين عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من اصحابه ، واول ظهور لذلك كان من قبل بعض التابعين ، قال ابن تيمية رحمه الله ” وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل ، وكان في السلف من يصلى فيها ، لكن الإجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة ” وأما صيام يوم النصف من شعبان فيسن على أنه من الأيام البيض الثلاثة ، لا على أنه يوم النصف من شعبان ؛ فإن حديث الصيام فيه لا يصلح للاحتجاج به بل هو حديث موضوع وكان التابعون من أهل الشام – كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم – يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة ، وعنهم ” أخذ الناس فضلها وتعظيمها، واختلف الناس فى . ذلك فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم ، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز ، منهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة ، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا ذلك كله بدعة . قال ثوبان : المشاحن هو التارك لسنة نبيه صلى الله عليه ، الطاعن على أمته ، السافك دماءهم ، وهذه الشحناء – أعنى شحناء البدعة – توجب الطعن على جماعة المسلمين وقد نهى الشافعي وأصحابه وآخرون عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة ، ثم اختلفوا في علة النهي . أما صيام يوم النصف فغير منهى عنه ، لأنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر .
ويتعين على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة ، وقد روى أنها : الشرك بالله ، وقتل النفس، والزنا وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله، كما في حديث ابن مسعود المتفق علي صحته:” انه سأل النبي صل الله عليه وسلم، اي الذنوب أعظم؟قال: ان تجعل لله ندا وهو خلقك. قال: ثم اي؟ قال: ان تغفل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثم اي؟ قال: ان تزاني حليلة جارك،.فانزل الله تصديق ذلك(والذين لا يدعون مع الله إلها أخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون)(الفرقان ٦٨)
ومن الذنوب المانعة من المغفرة أيضا الشحناء،وهي: حقد المسلم علي اخيه بغضا له،.لهو في نفسه،وذلك يمنع ايضا من المغفرة في أكثر اوقات المغفرة والرحمة،كما في “صحيح مسلم” عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا:”تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين اخيه شحناء،فيقال: انظروا هذين حتي يصطلحا”.
وقال بعض السلف:أفضل الأعمال:سلامة الصدور،وسخاوة النفوس، والنصيحة للأمة،وبهذه الخصال بلغ من بلغ،لا بكثرة الإجتهاد في الصوم والصلاة.
هذا وبالله التوفيق،وصلي الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين وكل عام وسائر المسلمين بخير حال وأحسن مآل

زر الذهاب إلى الأعلى