من خان الخليلي إلى العريش: ماكرون في مواجهة تحديات الشرق الأوسط بقلم : أ.د . أسامة نبيل
في السياسة، كما في المسرح، لا يُكتفى بالظهور على الخشبة، بل تُحتسب الرسائل في اختيار الكلمات، واختيار الأماكن، وتوقيت التصريحات. جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر في أبريل 2025 في سياق إقليمي حساس، وشهدت محطتين رمزيتين: الأولى في خان الخليلي في قلب القاهرة التاريخي، والثانية في مدينة العريش بالقرب من حدود غزة. وهذان مشهدان يعكسان تنوع أدوات الدبلوماسية الفرنسية في المنطقة.
خان الخليلي: وجه فرنسا الثقافي
في خان الخليلي، اختار ماكرون أن يزور أحد أبرز معالم التراث الشعبي المصري، وتناول العشاء في مطعم «نجيب محفوظ» الشهير، في خطوة بدت تهدف إلى إبراز الاهتمام الفرنسي بالحوار الثقافي وتعزيز الروابط الحضارية مع العالم العربي. وشكلت الزيارة، بما تحمله من طابع رمزي، فرصة لإظهار الوجه الثقافي لفرنسا التي تقبل ثقافة الآخر والحوار معه، وتعزيز التواصل الشعبي، خاصة في ظل التحديات التي عرفتها العلاقات الفرنسية-العربية في السنوات الأخيرة.
العريش: أولوية إنسانية
في العريش، ظهرت ملامح أخرى للدبلوماسية الفرنسية، حيث زار الرئيس الفرنسي مرافق تقديم المساعدات لقطاع غزة، والتقى بالفرق الطبية والمصابين. وفي مؤتمره الصحفي، ركز ماكرون على أهمية إيصال المساعدات الإنسانية بشكل عاجل، وحماية المدنيين، مشيدًا بالدور المصري الفعال في تسهيل الإغاثة. ورغم أن خطابه لم يتطرق بالتفصيل إلى الأبعاد السياسية، إلا أنه عكس حرصًا على إبقاء القنوات الإنسانية مفتوحة وتجنب التصعيد.
المبادرة المصرية: دعم واضح
أبدى ماكرون دعم بلاده للجهود المصرية في التهدئة، منوهاً بمبادرة القاهرة لوقف إطلاق النار في غزة. وأكد أن فرنسا ستواصل العمل بالتنسيق مع مصر والشركاء الدوليين من أجل التخفيف من معاناة المدنيين، واستئناف مسار الحل السياسي. هذا الموقف يندرج ضمن توجه فرنسي تقليدي يسعى إلى التوازن والوساطة في القضايا الإقليمية المعقدة.
بين الزيارتين: تنوع في الخطاب
تُظهر زيارتي خان الخليلي والعريش توجهاً فرنسيًا يعكس رغبة في الجمع بين التواصل الثقافي والتعامل البراجماتي مع الأزمات الإقليمية. فبين لغة التراث والحضارة في القاهرة، ولغة الدعم الإنساني والدبلوماسي في سيناء، تسعى فرنسا إلى تثبيت حضورها كشريك فاعل ومتعدد الأدوار في الشرق الأوسط.
ختاما، تحمل زيارة ماكرون إلى مصر دلالات رمزية وسياسية متعددة، أكدت من جهة على عمق الروابط الثقافية بين البلدين، ومن جهة أخرى على اهتمام فرنسا بالوضع الإنساني في غزة وسعيها للمساهمة في إيجاد حلول للقضية الإنسانية قبل القضية السياسية. ورغم ما يحيط بهذه الأزمات من تعقيدات، فإن التحركات الدبلوماسية المتوازنة تظل أداة أساسية للحفاظ على الاستقرار وتعزيز الحوار.