الهيمنة وسياسة التجويع.. حينما يصبح الرغيف سيفًا

في مفارقةٍ هي الأكثر إيلامًا في تاريخنا المعاصر، لم يعد الجوع ناجمًا عن شح الموارد الطبيعية أو نتيجة حتمية للكوارث، بل أصبح صناعةً بشرية بامتياز، وسلاحًا يُصقَل في دهاليز السياسة المظلمة حيث تُحاك خيوط الهيمنة. إنه السلاح الذي لا يُسمع دويُّه، لكن آثاره تحفر عميقًا في أجساد الأمم وأرواحها، فتسقط الحصون ليس بالقذائف، بل بفراغ البطون.

وعندما تُستنفد أدوات الدبلوماسية وتصبح تكلفة الحرب المباشرة باهظة، تلجأ القوى الكبرى إلى سلاح قديم قدم التاريخ نفسه، ولكنه أكثر فتكًا بصمته: التجويع. إن تحويل الغذاء من حاجة إنسانية أساسية إلى أداة للضغط والابتزاز السياسي يمثل أحد أقسى أوجه العلاقات الدولية غير المتكافئة. وهذه السياسة ليست مجرد أثر جانبي للنزاعات، بل هي إستراتيجية ممنهجة ومصممة بعناية لخنق الدول الضعيفة، وتقويض سيادتها، وإجبارها على الرضوخ لإملاءات لا يمكن تحقيقها بالقوة العسكرية وحدها.

هذا المقال لا يتناول مأساة الجوع بوصفه قضية إنسانية عابرة، بل يغوص في جذوره السياسية ليكشف كيف تحوّل رغيف الخبز—رمز الحياة ودفء الألفة البشرية—إلى أداة للخنق، وكيف أصبحت بطون الجياع ساحة المعركة الأخيرة والأكثر وحشية في صراعات القوة الصامتة. إنها حكاية القمح الذي يُزرع ليُحصد سيادة، وحكاية الأمعاء الخاوية التي تُستخدم لكسر إرادة الشعوب.

آليات الخنق الاقتصادي.. كيف تتم سياسة التجويع؟

لا تتم سياسة التجويع عبر منع الطعام بشكل مباشر دائمًا، بل من خلال شبكة معقدة من الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى شل قدرة الدولة المستهدفة على إطعام شعبها، وتتخذ هذه الإستراتيجية عدة أشكال، من بينها:

1- العقوبات الاقتصادية والحصار الشامل:

حيث تُعد العقوبات السلاح الأكثر شيوعًا. فبينما يتم الترويج لها على أنها تستهدف الأنظمة الحاكمة، فإن تأثيرها الحقيقي يقع على كاهل المدنيين. يتم فرض قيود صارمة على القطاع المصرفي للدولة، مما يمنعها من استيراد السلع الأساسية كالغذاء والدواء والمعدات الزراعية، حيث يتحول الحصار الاقتصادي إلى حصار وجودي، حيث يصبح الحصول على رغيف الخبز نضالًا يوميًّا، مما يولد سخطًا شعبيًّا يخدم الأجندة السياسية للدولة القوية.

2- التحكم في الإمدادات الزراعية العالمية:

حيث تهيمن قلة من الدول والشركات متعددة الجنسيات على سوق الغذاء العالمي، بدءًا من براءات اختراع البذور والمبيدات، وصولًا إلى التحكم في بورصات الحبوب العالمية. هذا الاحتكار يخلق تبعية خطيرة، حيث تصبح الدول النامية مجرد مستورد للغذاء. يمكن للقوى المهيمنة التلاعب بالأسعار، أو حجب الإمدادات، أو ربط المساعدات الغذائية بشروط سياسية، محوّلةً الغذاء إلى ورقة مساومة فعالة.

3- الديون أداةً للتبعية (عبودية الديون):

حيث تُستخدم القروض من المؤسسات المالية الدولية، التي غالبًا ما تكون تحت نفوذ القوى الكبرى – أداةً لفرض سياسات تقشف قاسية على الدول الضعيفة، وتشمل هذه السياسات عادةً رفع الدعم عن السلع الأساسية كالخبز والوقود، وتحرير أسعارها، وتقليص الإنفاق على القطاع الزراعي المحلي. النتيجة هي ارتفاع جنوني في معدلات الفقر والجوع، مما يجعل الدولة أكثر ضعفًا واستعدادًا لتقديم تنازلات سيادية مقابل الحصول على المزيد من القروض.

الهدف الرئيس.. من الإخضاع إلى الاحتلال الناعم:

الهدف من سياسة التجويع ليس مجرد إلحاق الأذى، بل هو تحقيق أهداف سياسية وإستراتيجية واضحة، من بينها:

زعزعة الاستقرار الداخلي: الجوع يغذي الغضب ويقوض ثقة الشعب في حكومته، مما يخلق بيئة خصبة للاضطرابات والثورات التي يمكن استغلالها لتغيير الأنظمة غير المرغوب فيها.

انتزاع التنازلات السيادية: عندما يواجه القادة خيارًا بين انهيار دولتهم جوعًا أو قبول شروط مجحفة، غالبًا ما يختارون الثاني. تشمل هذه التنازلات اتفاقيات تجارية غير متكافئة، أو السماح بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية، أو تغيير السياسات الخارجية لتتماشى مع مصالح القوة المهيمنة.

تحقيق “الاحتلال الناعم”: من خلال السيطرة على اقتصاد الدولة ومصادر غذائها، يتحقق شكل من أشكال الاحتلال غير المباشر، حيث تصبح الدولة اسميًّا مستقلة، لكن قراراتها السيادية الحقيقية مرهونة بالإرادة الخارجية التي تتحكم في شريان حياتها.

إن استخدام التجويع وسيلة من وسائل الحرب يُصنَّف جريمة حرب بموجب القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك بروتوكولات جنيف. وتطبيق هذه الإستراتيجية في أوقات السلم عبر الأدوات الاقتصادية يطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية عميقة حول شرعية العقوبات التي تؤدي إلى موت المدنيين. إنه يمثل فشلًا للمنظومة الدولية التي يُفترض أن تحمي الحقوق الأساسية للإنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة والغذاء.

أصوات من الضمير الإنساني:

لم يكن الجوع يومًا مجرد قضية اقتصادية، بل هو جرح أخلاقي في جسد الإنسانية. وقد أدرك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم خطورته حيث قال رسول الله ﷺ: «والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم»؛ وهذا تأكيد أن الإيمان مرتبط بعدم ترك الجوع يفتك بالآخرين. كما أكد الكثير من الحكماء والفلاسفة والقادة خطورته، يقول أرسطو: “الفقر هو أب الشرور والثورات.”، ويقول جون كينيدي: “من لا يستطيع إطعام الجياع لن يستطيع حفظ السلام.”، ويقول ديزموند توتو: “الجوع من صنع الإنسان، ويمكن للإنسان أن يقهره إذا أراد.”، ويقول نيلسون مانديلا: “القضاء على الجوع ليس عملًا خيريًّا، بل هو عمل من أجل العدالة.”

غزة: الوجه الأشد قسوة لسياسة التجويع:

اليوم، تتجلى سياسة التجويع بأبشع صورها في غزة، حيث يُستخدم الحصار سلاحًا لإخضاع شعب أعزل. ليس فقط القصف ما يفتك بالأجساد، بل أيضًا حرمان الناس من الغذاء والماء والدواء. إن بطون الأطفال الخاوية وأصوات الأمهات الباحثات عن كسرة خبز صارت الدليل الحي على أن التجويع لم يعد سياسة، بل جريمة مكتملة الأركان.

وتقارير غربية من وكالات أنباء أو صحف عريقة مثل “رويترز” و”الجارديان” وصفت ما يحدث بأنه مجاعة من صنع الإنسان بالكامل، فيما وصف حقوقيون غربيون ذلك بأنه قد يرقى إلى جريمة حرب. وبينما تصف الأمم المتحدة الحصار بأنه تجويع متعمد، لا يزال الموقف الغربي متأرجحًا بين الإدانة الخجولة والدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، وهو ما يفضح التباين بين الخطاب الأخلاقي المعلن والصمت الفعلي أمام واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في عصرنا.

السبيل إلى المناعة: الاعتماد على الذات كدرع واقٍ

أمام هذا الواقع القاتم، لا يعد انتظار تغيير في أخلاقيات القوى الكبرى خيارًا واقعيًّا، فالدرس الأهم الذي يجب أن تتعلمه الدول النامية من تجارب الآخرين المريرة هو أن السيادة الحقيقية تبدأ من الداخل.

ويجب أن تتحول إستراتيجية “الأمن الغذائي” من مجرد شعار إلى مشروع وطني، أساسه أن تأكل الأمة مما تزرع وتلبس مما تصنع، فالاعتماد على الذات في توفير الاحتياجات الأساسية ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل هو درع سيادي يحمي الدولة من الابتزاز الخارجي، وهذا يتطلب قرارات حاسمة لحماية السوق المحلية من إغراقها بالمنتجات المستوردة الرخيصة التي تقضي على الإنتاج الوطني، مع تشجيع المزارع المحلي والاستثمار في التكنولوجيا الزراعية. فكل حبة قمح تُزرع محليًّا هي خطوة نحو التحرر من التبعية، وكل مصنع يُبنى هو جدار في حصن المناعة الوطنية.

في الختام، إن سياسة التجويع هي البرهان الأكثر قسوة على أن الصراعات في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقتصر على المدافع والدبابات. إنها حرب اقتصادية صامتة، تُستخدم فيها بطون الجياع ساحةً للمعركة، ويُستخدم فيها رغيف الخبز سلاحًا لكسر إرادة الشعوب وفرض الهيمنة. عالمٌ يُستخدم فيه الغذاء سلاحًا هو عالمٌ فقد بوصلته الأخلاقية.

زر الذهاب إلى الأعلى