الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهرالشريف لـ«صوت الأزهر»:غاية ما أطمح إليه فيما تبقَّى لى من العمر العونُ من الله لنصرة الضعيف والمظلوم أينما كان وأياً كان دينه أو اعتقاده
لم يتعرض شعب فى التاريخ لمثل ما يتعرض له الشعبالفلسطينى على مدار عقود طويلة وصلت ذروتها لإبادةجماعية شاهدها الجميع على الهواء مباشرة
لا يمكن بأى شكل من أشكال الإنصاف إغفال أهمية الدورالمصرى عبر التاريخ فى دعم الشعب الفلسطينى وحقوقهوالتمسك بها
الرئيس السيسى اختار إزاء العدوان على غزة الطريق الذىيليق بتاريخ مصر.. والدولة بقيادته تعاملت معالمسألة بـ«شرف بالغ» رغم الضغوطوالإغراءات
لولا الموقف المصرى الصلب لكانت القضية الفلسطينية قدتمت تصفيتها تماماً وكذلك تصفية الشعب الفلسطينىوإخراجه من أرضه
علينا مسؤولية الدفاع عن قضية فلسطين.. وهذا موقف أزهرى ثابت لا ولم ولن يتغيرحتى يحصل الشعب الفلسطينى علىحقوقه الكاملة ويقيم دولته وعاصمتهاالقدس الشريف
الأمة العربية قادرة – إذا ما اتحدتوخلصت نواياها – على الوصول إلى حللهذه القضية العادلة وإنقاذ هذا الشعبالأعزل من الفناء
—-
الرئيس السيسى منذ يومه الأول كان همه الأساسى توحيدالمصريين جميعاً.. ورأينا منه تقديراً كبيراً ودعماً متواصلاً لدور الأزهر ومكانته
الأزهر توَّج جهده فى تجديد الخطاب الدينى بمؤتمر عالمىبرعاية الرئيس تصدى وبوضوح لحسم كل القضايا التىيستند إليها المتطرفون فى بناء منهجهم الضال
من يقولون إن الأزهر عرقل جهود تجديدالخطاب الدينى لم يقرأوا وثائقه المتعددةأو مقرراته الدراسية أو بياناته.. ولميحضروا مؤتمراته ومنتدياته.. ولم يقرأواصحيفة «صوت الأزهر»
لا نقدس التراث وإنما نقدره.. والأزهريرفض كل من ينتظر أن ندير ظهرنا للتراثبرُمَّته.. كما نرفض بالقوة ذاتها من يكتفونبالانكفاء عليه والاكتفاء به وإدارة الظهرلمنجزات العصر
تهنئة المسيحيين بالأعياد تنطلق من تعاليم ديننا الحنيف.. وهو تقليد نقوم به كل عيد دون غضاضة أو أى شعوربمخالفة تعاليم الإسلام
المساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات بين المواطنينجميعاً – مهما كانت عقائدهم – أصل فى الإسلام.. ولا يوجدفى القرآن ولا فى السنة النبوية ما يحرِّم بناء الكنائس.. والشريعة تساوى بين الدفاع عن المساجد والدفاع عنالكنائس ومعابد اليهود بالقدر نفسه
لسنا وحدنا فى هذا العالم.. والعلاقة بين الأمم والشعوبأساسها التعارف والتعاون وليس الصراع أو حمل الناسعلى الإسلام بالقوة أو الإساءة إلى أديانهم وعقائدهم
نعرف الفارق الكبير بين اليهودية كديانة سماوية وبينالصهيونية كحركة استيطان واحتلال عنصرية.. ونحرصدائماً على أن يكون خطابنا الدينى والعام مؤكداً هذهالفوارق ومُنبهاً عليها
لا يُعرف للأزهر ولا للمصريين قاطبةً أى موقف سلبى مناليهود.. فقد عاشوا بيننا فى سلام وأمان حتى ظهرتالحركة الصهيونية وأفسدت منطقتنا وزرعت الكراهيةوالحقد
الشيعة إخوة.. ولا يحتاجون إلى وثائق لتأكيد كونهم جزءاً عزيزاً من الأمة الإسلامية.. وأطلقنا «نداء أهل القبلة» لتعزيزوحدة عُلمائية فى الأمة الإسلامية
—–
أعداء الأمة هم المستفيدون من أى شقاق بين الدول العربية.. ونعول كثيراً على حكمة الإخوة من القادة العرب وعلىالحكمة المصرية فى رأب الصدوع
خلال عامنا الجديد هذا نتطلع إلى تكرمالرئيس السيسى بافتتاح مكتبة الأزهر معأخيه الشيخ محمد بن زايد الذى تكرم ودعمبناء المكتبة مشكوراً ومأجوراً
الرئيس السيسى وافق مشكوراً على رعايةمؤتمر الحوار الإسلامى – الإسلامى فىنسخته الجديدة المقرر انعقادها بالقاهرةفى إبريل المقبل
نثق فى إخلاص الرئيس السيسى للوطنورغبته فى تحقيق الأفضل.. ونتابع جهداً كبيراً تبذله الحكومة وسائر المؤسسات.. والدولة لديها فرصة للحوار بين المختصينوالخبراء لتحديد المشكلات وتقييمهاوالتكاتف للإسهام فى التصدى لحلها
—–
وثيقة الأخوة الإنسانية هى الوثيقة الأهمفى التاريخ الإنسانى الحديث باعترافالأمم المتحدة التى اعتمدت يوم توقيعهايوماً دولياً للأخوة الإنسانية
أخى الراحل البابا فرنسيس كان رجل دين حقيقياً وامتلكطاقة تسامح كبيرة.. وبهذه الطباع الشخصية نجحنا فىبناء صداقة وأخوة حقيقية
استقبل البابا «ليو» منذ بدء حبريته ابننا القاضى محمدعبد السلام ممثلاً عن شيخ الأزهر ومجلس حكماء المسلمينعدة مرات.. وهناك ترتيبات تجرى للقاءات قريبة مع قداسته
علاقاتنا بجميع قادة وزعماء الأديان فى العالم جيدة جداً.. ولا تقتصر على الكاثوليك.. ولدينا مبادرات مشتركة معرئيس أساقفة كانتربرى وبطريرك القسطنطينية للكنيسةالمسكونية والكنيسة الروسية
لدينا علاقة وطيدة مع أخى الحبيب الباباتواضروس بابا الإسكندرية وسائر زعماءالطوائف المسيحية فى مصر.. وجمعَنا«بيت العائلة» قبل أكثر من 15 عاماً بوصفه مؤسسة صارت نموذجاً يحتذى
—-
أبواب الأزهر مفتوحة للمثقفين ولم توصد فى وجه أحد.. لكنهناك من يرغبون دائماً فى إثارة الجدل بصرف النظر عنمنهج أى حوار وجديته
نستفيد من كل المفكرين الجادين فى تخصصاتهم مهمااختلفوا معنا.. لأنهم ينطلقون من اعتراف وتقدير واضحلدور الأزهر.. لكن كيف نحاور أناساً يقولون: «هذا الأزهر لاقيمة له ويجب ألا يكون له أى دور»!
ليس لدينا خطابان للداخل والخارج.. هذهمزاعم يبطلها الواقع العملى.. ووسائلالاتصالات الحديثة ما عادت تسمح بأىخطاب مزدوج
الأخوَّة الإنسانية لا تعنى مطلقاً الدعوة إلى إدماج الأديانفى دين واحد.. فمثل هذا النداء لا يقول به عاقل ولا يقبلهمؤمن أياً كان دينه
—
سألناه: هل أعاق موقفك الداعم للقضية الفلسطينيةوالمناهض للصهيونية والمثلية حصولك مع البابا فرنسيسعلى جائزة نوبل؟ فأجاب: لو كان ذلك صحيحاً فقد حصلتعلى ما هو أهم من أى جائزة
لا أهتم بالترشيحات ولا أتخذ مواقف ولا أطرح آراء سعياً لاستحسان هذا أو استهجان ذلك.. ويكفينى أن أحمل ومعىأساتذتى وزملائى وتلاميذى داخل الأزهر الشريف أمانةالعلم.. وهو تشريف وتقدير يفوق أى تقدير
لست ممن يشغلون أنفسهم بالجوائز أو يسعون إليها.. أنارجل بسيط جداً.. وجائزتى التى أحبها هى كتاب وقطعةخبز وكوب شاى وجلسة هادئة أسفل شجرة فى منزلالعائلة بصعيد مصر
——
يتحرج من الحديث عن عيد ميلاده الثمانين والاحتفاءالكبير به، يقول إنه لم يعتد ذلك فى حياته، ويستحىأن يحتفل بمناسبة شخصية وسط هذا الاضطرابالذى يسود أمته، مؤكداً أن هناك كثيراً من القضاياالأهم التى تستحق أن ينشغل بها الناس وتصرفمن أجلها الطاقة.
حتى حين قلت أن هذا الاحتفاء كان عفوياً لم يرتب لهأحد، بل على العكس شارك فيه أناس من كل مكانعلى وجه الأرض وعبر وسائل التواصل الاجتماعى، معبرين عن مشاعرهم الصادقة، ومنطلقين منمناسبة قد يراها شخصية إلى نقاشات أوسع حولقيم يمثلها، ومواقف يتمسك بها، وآمال تعلق عليهبوصفه إماماً للمسلمين فى وقت توجه فيه للإسلاموالمسلمين أصابع اتهام مدفوعة – بقصد أو بدون – بتأثيرات سلبية سببتها الأفهام الغليظة والشاذةوالمنحرفة، ومظالم ربما لم تتكرر فى التاريخ على أمةمن الأمم.. مع هذا كله استمر رافضاً الاقتراب منالشخصى إلا نادراً مكتفيأ بما هو واجب فى تقديمالشكر للمهنئين، فى حين حاولت الانطلاق منالشخصى إلى العام، عبر محاور ربما تقترب منمعظم ما يثار حول ومع الأزهر الشريف من قضايا.
تظل عنده القضية الفلسطينية جرحاً كبيراً ينزف فىالقلب، خصوصاً مع الإبادة والعدوان الذى لم يرحمالأبرياء والضعفاء، لكنه جرح يبقى كمرآة كاشفةضعف الأمة، وازدواجية الخطاب الحقوقى، وعجزالنظام الدولى، وتداعى مواثيقه التى طالما شهرهافى وجه الشرق، ما يفتح الباب للسؤال عن علاقتهبالغرب وانتقاداته الدائمة له من منظور أخلاقى.
ويبقى خطابه الإنسانى الواسع الذى يتعاطف معالمظلومين والضعفاء حول العالم أياً كانت ديانتهمملمحاً أساسياً، لا يرفعه من موقع العربى المسلمالذى يشعر بالقلق والاضطراب، بسبب ما يقع عليهمن مظالم ومحاولات لنزع الإنسانية، وإنما يرفعه منواقع شريعة لا تقر الظلم أياً كان مصدره، وأياً كانتهوية المظلوم؛ لأن قيمة الحياة متساوية بين كلالبشر.. وهذا ما يجب أن يكون.
فى هذا التوقيت بينما طوى العالم صفحة العام2025، وكتب الأسطر الأولى فى صفحة العامالجديد، تحتاج الإنسانية أن تتدبر أيامها، وأنتستوعب تجاربها، وتضمد جراحها، وتعترفبأعراض أمراضها، وفى مقدمتها الأطماعوالصراعات والحروب والفتن وظلم الضعفاء، وفوقذلك خطابات الكراهية المقيتة، والأفهام الغليظة، التىتحول الأديان إلى أدوات صراعات ووقود حروب، فىهذا التوقيت يصبح تلمس الحكمة فرض عين، وخصوصاً إن كانت من عقل مشغول بالإنسانيةومفرداتها، يرى حيوات الناس متساوية فى قيمتهاأياً كانت معتقداتهم وألوانهم وأجناسهم، ويستوعبأسس عقيدته ومقاصدها وجذور تراثه الإنسانىالفريد، ولا ينعزل عن عصره ومفرداته وأدواته، وينظرإلى المستقبل نظرة العارف بحجم الخطر والتحدى، وقيمة ما تستحقه الأجيال الجديدة من حياة يسودهاالتعايش والإنصاف والعدالة.
بنظرة واسعة على الحالة الدينية والوطنية والإنسانيةفى بداية عام جديد، تشرفت جريدة «صوت الأزهر» بمحاورة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمدالطيب، شيخ الأزهر الشريف، انطلاقاً من هم أمته، ومروراً بتحديات وطنه، وصولاً لرؤيته الإنسانيةالواسعة.
أجرى الحوار – أحمد الصاوى
——
– فى البداية كل عام وفضيلتكم بخير وعافيةبمناسبة عيد ميلادكم الثمانين، وقد شهدناهذا العام احتفاءً واسعاً بهذه المناسبة عبروسائل التواصل الاجتماعى، لا فى مصروحدها بل فى أرجاء العالم.
أشكركم، وأشكر كل من هنأ أو احتفى أو كتبكلمة، ولو كنت أستطيع أن أوجه لكل فرد شكراً شخصياً لفعلت، لكننى آمل أن تنوبوا عنى فىذلك.. وقد تأثرت فعلاً بكل ما رأيته وقرأته، خصوصاً لمن دونوا منشورات من خارج مصر وبلغات مختلفةدون أن يربطهم بشخصى أى علاقة أو سابق معرفة، إلا توسمهم الخير فى هذا العبد الفقير، وأحمد اللهعلى ظن الناس ونواياهم الحسنة تجاهى، وأرجو أنأكون عنده – سبحانه وتعالى – كما يظنون، وقد قلتفى أكثر من مناسبة إن حياتى كلها كانت لطفاً منالله تعالى، ومحبة الناس من جميل لطفه ورزقهسبحانه وتعالى؛ لأنها محبة صادقة، وزاد كريم فىالرحلة، وأثر واضح على صواب الطريق.
– قبل أيام قليلة أيضاً دخلت السنةالميلادية الجديدة ومعها احتفالات الإخوةالمسيحيين بعيد ميلاد السيد المسيح عليهالسلام، وكعادتكم قمتم بزيارة المقرالبابوى للكنيسة الأرثوذكسية ولقاء الباباتواضروس للتهنئة، لكن ورغم تلك الزيارتيكثر السِّجال والجدل حول العلاقة معالمصريين المسيحيين خصوصاً، والمسيحيين فى العالم كله، ويتصدر هذاالسجال آراء متعددة حول عدم جواز تهنئةغير المسلمين بأعيادهم الدينية، ومدىتأثير ذلك على الأجواء المفترضة فى تلكالمناسبات؟
أحبُّ هنا أن أكرر تهنئة الإخوة المسيحيين فىمصر والعالم باختلاف طوائفهم بأعياد الميلاد، وهو تقليد نقوم به كل عام دون غضاضة، أو أىشعور بمخالفة تعاليم ديننا، ولا نفعل ذلك بوصفهإجراءً بروتوكولياً أو شكلياً؛ فالأزهر يعتز بالعلاقةالتى تربط المصريين: مسلمين ومسيحيين، والتىتنبع من الفهم الصحيح للدين، وقلنا كثيراً إنالتهنئة بالأعياد ليست من باب المجاملة أوالشكليات، وإنما هى تطبيق لفهم واع لتعاليمديننا الحنيف.. والإعلام بجميع أنواعه هوالمسئول عن فتح المجال لتلك الآراء الشاذة كلعام، وقد طالبنا مراراً بتجاهل تلك الآراء بعد أنفنَّدناها أكثر من مرة، لكن إغراء الأضواء يدفعالبعض فى مواسم الأعياد إلى إعادة هذاالسِّجال كل عام.
علاقة المسلمين والمسيحيين خصوصاً فىمصر هى علاقة الوحدة والإخاء، والأخوة التىتمثل الرباط المتين الذى يعوَّل عليه فى مواجهةالصعاب والتحديات، وعلينا أن نعلم أنه لا توجدفى القرآن أديان مختلفة، لكن توجد رسائل إلهيةتعبِّر عن الدين الإلهى الواحد، وأن ثمة وحدةتربط نبى الإسلام محمداً، صلى الله عليه وسلم، بمن سبقه من الأنبياء، وهى الأخوة، والجميعيعرف قول النبى صلى الله عليه وسلم: «أنا أولىالناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة، ليسبينى وبينه نبى، والأنبياء أولاد عَلَّات؛ أمهاتهمشتى، ودينهم واحد».
– بم تفسرون فضيلتَكم إصرار البعضعلى تصدير تلك الآراء والفتاوى فى مثلهذه المناسبات وكأنها جزء من الشريعة أوالفكر الإسلامى؟
قلت أكثر من مرة إن هذا فكر متشدد لا يمتُّ للإسلام بصلة، وإن «مصر» – وبتأثير من الأزهرالشريف- لم تكن تعرف هذا الفكر قبل سبعيناتالقرن الماضى؛ ولكن حدث – منذ هذه السبعينات- اختراقات للمجتمع المصرى نالت من المسلمينوالمسيحيين معاً، وهيَّأت الأرض لظهور الفتنةالطائفية، وتبع هذا انهيار التعليم الحقيقى، وتشوُّش الخطاب الإسلامى الصحيح، وأصبحالحديث عن الدين أسِيرَ مظهريات وشكلياتوتوجُّهات، وكنا نرى عشرات القنوات الفضائيةتبث خطاباً إسلامياً دون أن يتحدث القائمونعليها فى قضية واحدة ذات أهمية أو تستند إلىعلم، ولم نسمع مناقشة جادة عن قضية المواطنةمثلاً، أو ما هى فلسفة الإسلام فى التعامل معالآخر، وبخاصة المسيحيون، والسبب فى ذلك أنمعظم المتحدثين غير مؤهَّلين، وليسوا على علم بمايتحدثون فيه، وكانوا يسعون إلى نشر مذاهبيريدون من خلالها تحويل المسلمين إلى ما يمكنأن نسميه «شكليات فارغة من جوهر الإسلامالحقيقى»، وفى محاولة لصناعة ما يمكن تسميتهبــ«كهنوت إسلامى جديد».
ومن يحرِّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم يصطدم-على نحو مباشر بتشريعات الإسلام- فىالتعامل مع الآخر، وبخاصة مع المسيحيين، يقولسبحانه وتعالى فى شأن أتباع المسيح عليهالسلام: «وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً» [الحديد: 27]. ويقول علماءالتفسير فى هذه الآية: إن المسيحيين أهل رأفةورحمة، وإنهم لا يحملون ضغينة، وإن هذهالصفات مستمرة فيهم إلى يوم القيامة، وهذاالكلام مسطور فى أمهات الكتب التى يدرِّسهاالأزهر لطلابه.
– البعض يروِّج أن ما يقوله فضيلةالإمام ربما تفرضه مواءمات المنصبوالسياسة ولا أثر لها فيما يتعلَّمه طلابالأزهر؟
على هؤلاء أن يقرأوا مناهج الأزهر أولاً، والدروس التى يدرسها الطلاب الصِّغار الذيننعلِّمهم المواطنة الكاملة باعتبارها «أصلاً» فىالإسلام يقوم على المساواة الكاملة فى الحقوقوالواجبات، ونعلِّمهم أن الأصل فى العلاقة معغير المسلمين هو البر والإنصاف والتعارفوالتعاون، وليس أبداً علاقة صراع، أو حَمْل الناسعلى الإسلام بالقوة، أو الإساءة إلى أديانهموعقائدهم، ونعلِّمهم حق المسيحيين فى بناءكنائسهم وعدم وجود أى موانع شرعية فى الكتابوالسُّنة تمنع ذلك، بل وحق كنائس المسيحيينومعابدهم فى أن يدافع عنها المسلمون كمايدافعون عن مساجدهم.. ولك أن تقرأ فى ذلك قولهتعالى فى سورة الحج: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» [الحج: 40]، وضعنا ذلكوأكثر فى مناهجنا ووثائقنا وخطاباتنا، فكيفيمكن لمنصف أن يقول إنها خطابات بروتوكولية أودعائية.
– كيف يمكن التنبُّه إلى خطورةالاستغراق فى خطابات طائفية تستهدفبالتحديد العلاقة بين المسلمين والمسيحيينفى مصر؟
بفضح الأهداف الخبيثة لتلك المحاولاتالمدفوعة والمستغلَّة من جهات مختلفة كلها معاديةلاستقرار المجتمع المصرى؛ حيث نجحت فىإدخال أنماط شاذة من التفكير خلت من حكمةالشريعة ومقاصدها العليا فى التعامل مع أهلالأديان الأخرى، فانحرفت بالإسلام عن سماحته، وبالفكر الإسلامى عن وضوحه ونقائه، حتى رأيناظواهر غير مألوفة ولا مقبولة فى معاملة غيرالمسلمين.
ومن طبيعة هذه المعاملات السيئة أن تتسبَّبفى حدوث فتن وانقسامات واضطرابات بين أبناءالوطن الواحد، وما تلك الفتاوى الخاطئة والمغلوطةالتى تمنع المسلم من أن يهنئ جاره أو صديقهالمواطن المسيحى، وتحظر عليه أن يشاركه فرحه، أو يعزيه فى مصابه، إلا أداة من أدوات تفتيتالمجتمعات وضرب استقرارها فى مقتل.
– ما النصيحة التى تقدمونها للشبابخصوصاً الأزهرى للتصدى لمثل هذهالأفكار المغلوطة؟
أولاً: ألا يعتقدوا أن مثل هذه الفتاوى جاء بهاالقرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة؛ فالحقيقةعكس ذلك، وعليهم أن يصرفوا عنايتهم وتركيزهملحُسن المعاملة مع أصدقائهم من المسلمين وغيرالمسلمين، وأن يحترسوا أشد الاحتراس من أىفكر يدعوهم إلى الإساءة للمسيحيين، أو إلىتكفير المسلمين، أو كراهية الوطن وقادته وجيشهوقوات أمنه؛ فكل هذه الأفكار هى أفكار خارجةعن هَدْى الإسلام وهَدْى رسوله، صلى الله عليهوسلم، وأحكام شريعته التى أمرت المسلمبالإحسان إلى أخيه المسلم، أياً كان مذهبه فىالفقه أو العقيدة، كما أمرته بالبر والعدل المطلقمع المسالمين من غير المسلمين، أياً كان دينهم، وأياً كانت عقيدتهم.
– نعرف أن قلب فضيلتكم مشغولبالأبرياء فى غزة الذين يواجهون حالياً البرد القارس فى هذا الشتاء الصَّعب، بعدإبادة جماعية مكتملة الأركان استمرتعامين متصلين من التقتيل والتنكيل.. وجَّهتم نداءً عالمياً لإنقاذهم تصدرتهجملة: «إما تضامن حقيقى لإنقاذهم، وإمامشاركة فى تعميق آلامهم وجراحهم».. هلترى الصامت عن التضامن مع هؤلاءالأبرياء شريكاً فيما يحيق بهم من جرائمومآسٍ؟
يجب أن نفرق بين فئتين من الصامتين: فئةليس فى يدها ولا فى طاقتها شىء يمكن أنتقدمه لتخفيف ويلات هذه الحروب التى دخلتعامها الثالث، وهى الشعوب التى خرجت فى كلميادين العالم لتعبِّر عن رفضها لهذا العدوانالظالم الذى يستهدف إبادة الشعب الفلسطينىوإجباره على ترك أرضه وهجران وطنه، وهؤلاءعُذرهم واضح، ويكفيهم أضعف الإيمان، وهو: إنكار الظلم والعدوان.. أما الفئة الثانية منالصامتين فهى الفئة الداعمة -فى صمت- سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، وأكثر هؤلاء منالدول الغربية، ومن أعداء العروبة والإسلام، ويتحملون المسئولية الإنسانية والتاريخية كاملةمع شركائهم المجاهرين بالعدوان والظلم والهازئينبحُرمة الإنسان ودمه وحقه فى العيش على أرضهوفى وطنه؛ فلم يتعرَّض شعب فى التاريخ لمثل مايتعرَّض له الشعب الفلسطينى على مدار عقودطويلة وصلت ذروتها لإبادة جماعية شاهدهاالجميع على الهواء مباشرة، وصنعت فرزاً إنسانياً حقيقياً بين الشعوب الحرة والحكوماتالداعمة لجرائم الاحتلال.
– نداءاتكم المتكررة طوال العامينالماضيين جعلت فضيلتكم صوت الضميرللقضية الفلسطينية، لكن البعض تساءلعن الحاجة لأن يبذل الأزهر ما هو أكثر منالبيان.
الأزهر مؤسسة إسلامية علمية تعليمية فىالمقام الأول، ثم هى معنية بقضايا الأمة، ووسيلةالأزهر فى التعبير عن مواقفه هى البيان بالحكمةوالموعظة الحسنة، ونحن لسنا مؤسسة سياسيةولا نتدخل فى الشئون السياسية، ولا نملك إلاالضغط الإنسانى والأخلاقى مع الأطرافالمختلفة، ونقول كلمتنا بوضوح ودون مواءمات، ونعبر عن كل ذلك فيما نقوم به من أدوات عبرتنظيم لقوافل الإغاثة أو دعم للطلاب الفلسطينيين، أو تنظيم للمؤتمرات التى تجعل القضية حاضرةفى وعى الأجيال، وكذلك الحوار مع جميع الوفودوالمسئولين فى الخارج، أو ممن يزورون الأزهرالشريف؛ من أجل خلق رأى عام مساند للقضيةالفلسطينية وداعم لعدالتها، ومقر بحقوق الشعبالفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة وعاصمتهاالقدس الشريف.
– تحدَّثتم أن الأزهر بعيد عن الشئونالسياسية، لكن البعض يعتقد أن أداءالأزهر فى القضية الفلسطينية يعد تدخلاً فى السياسة الدولية؟
فلسطين قضية مركزية لأمتينا: العربيةوالإسلامية، والأزهر جزء من هذه الأمة، وطوالتاريخه الذى تجاوز الألف وثمانين عاماً، كانضمير هذه الأمة، فضلاً عن عدالة هذه القضية، وتذكير الأزهر بأهميتها هو ممارسة لدوره بوصفهمؤسسة عربية وإسلامية فى الدفاع عن مقدساتعربية وإسلامية، والدفاع عن المستضعفين فىمواجهة حالة غير مسبوقة من الظلم والبطش، وفى ظل عجز دولى حتى عن تنفيذ قرارات الأممالمتحدة.
نتشرف دائماً وأبداً بالدفاع عن فلسطينوشعبها، وهذا موقف أزهرى ثابت لا ولم ولن يتغيرحتى يحصل الشعب الفلسطينى على حقوقهالكاملة ويقيم دولته وعاصمتها القدس الشريف.
والأمة العربية قادرة – إذا ما اتحدتوخلَصتْ نواياها- على الوصول إلى حل لهذهالقضية العادلة وإنقاذ هذا الشعب الأعزل منالفناء.
– هل يؤدى موقف الأزهر من القضيةالفلسطينية إلى اتخاذه موقفاً سلبياً مناليهود؟
نحن على وعى تام ومعرفة عميقة بالفارقالبعيد بين اليهودية كديانة سماوية وبينالصهيونية كحركة استيطان واحتلال عنصرية، نحن ضد الصهيونية ولسنا ضد اليهود، وأناألتقى هنا فى مكتبى رجال دين وشخصيات عامةيهودية مُنْصِفة ممن يرفضون الصهيونية ويقفونمع حقوق الشعب الفلسطينى، وقد شارك بعضهمفى العديد من المؤتمرات التى أقمناها أو التىنشارك فيها، وأنا لا أتحرَّج من لقاء أى يهودىمنصف لا يدعم الاحتلال، أو يرضى بقتلالأبرياء، ونحن هنا فى مصر لا يُعرف للأزهر ولاللمصريين قاطبةً أىُّ موقف سلبى من اليهود؛ فقدعاشوا بيننا فى سلام وأمان، حتى ظهرت الحركةالصهيونية وأفسدت منطقتنا وزرعت الكراهيةوالحقد، ورغم ذلك نحرص دائماً على أن يكونخطابنا الدينى والعام مؤكداً هذه الفوارق ومُنبهاً عليها.
– فى ضوء ما جرى فى العامينالماضيين.. كيف تقيِّمون الدور المصرىفى دعم القضية الفلسطينية؟
لا يمكن بأى شكل من أشكال الإنصافإغفال أهمية الدور المصرى، أو التهوين من شأنهفى دعم الشعب الفلسطينى وحقوقه والتمسكبها، ونحن ننتهز هذه الفرصة لنؤكد أهمية دورالسيد الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصياً، ومعه المؤسسات الوطنية، فى صدِّ أكبر خطرواجهته القضية الفلسطينية منذ النــكبة.
كان المخطط هو تهجير الفلسطينيين منالقطاع والاستيلاء على الأرض، وقد ظنَّ منخططوا لذلك أن مصر يمكن أن تقبل بالتواطؤ فىتنفيذ هذا المخطط، غير أن الأيام – وحدها- أثبتتأن الرئيس السيسى ومعه الدولة المصرية تعاملامع المسألة بشرف بالغ، وأنا أدرك جيداً حجمالضغوط التى تعرَّض لها سيادته للقبول بهذاالمخطط، وحجم الإغراءات التى وُضعت علىالطاولة لبلد يمر بأزمة اقتصادية يعانى منهاجميع المواطنين، وكيف أنه اختار الطريق الذىيليق بتاريخ مصر، وبقائد مصرى ساند قضيةالعرب والمسلمين الأولى بشرف وصمود، وقد كانلهذه السياسة المسئولة عظيم الأثر، لا أقول فىقلوب وعقول المصريين فقط، بل فى وعى الشعوبالعربية والإسلامية وكل المؤمنين بحق الإنسان فىالعيش بسلام وأمان، ورأوا فى هذا الموقفالمصرى الشجاع دعماً حقيقياً لحقوق الشعبالفلسطينى، وقد شعرنا بامتنان من الشعبالفلسطينى نفسه تجاه هذا الموقف المصرى.
ولك أن تتخيل مصير القضية الفلسطينية وماستؤول إليه – بالضرورة- من تصفية نهائية، ومنإخراج للفلسطينيين من أرضهم وشتاتهموتوزيعهم على أرض لا يعرفونها، لو لم يكن هذاهو الموقف المصرى الذى اعتصم به الرئيسوالوطن من خلفه، وأعلنه منذ اللحظات الأولى منعمر هذه المؤامرة.
– حاول البعض الإيحاء بوجود عدمانسجام بين الأزهر ومؤسسات الدولةخلال الأعوام الأخيرة.. كيف كنت ترى تلكالمحاولات؟
هذه المحاولات وأشباهها هى مما روَّجهالبعض ونفخ على ناره، وهى جزءٌ من محاولاتتفتيت هذا الوطن من الداخل، والحق يقال: إنالرئيس السيسى يبذل كل جهده لتوحيد الشعبالمصرى، وإعادة بناء الوطن على أسس منالاحترام المتبادل، وقد رأينا منه تقديراً متواصلاً لدور الأزهر ومكانته العالمية، سواء فى رعايةمؤتمراته– مثل مؤتمر المواطنة ومؤتمر الأزهرلنصرة القدس.. وغيرهما- أو دعم مشروعاته أوالحفاظ على اختصاصاته، وبينما خاضت الدولةالمصرية برئاسة الرئيس السيسى حرباً ضروساً على الإرهاب كان الأزهر حاضراً بقوة فى الميدانالفكرى من ميادين تلك المعركة، كما كان الأزهرعلى قدر المسئولية عبر تعاون كبير بين كلمؤسسات الدولة، وقد دعم الرئيس الأزهرالشريف فى كثير من المواقف الكبرى حتى منقبل أن يصل إلى الرئاسة، وقد لاحظنا خلالجولات سيادته، خصوصاً فى البلاد الإسلامية، أنه يتحدث مع قادة الدول بتقدير كبير عن الأزهرالشريف ودوره فى مكافحة التطرف والإرهابونشر علوم الدين الإسلامى، ويوصى المسئولينكافة بتذليل أى عقبات لدعم رسالة الأزهر.
وخلال عامنا الجديد هذا نتطلَّع إلى تكرُّمسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى بافتتاحمكتبة الأزهر الجديدة مع صاحب السمو الشيخمحمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإماراتالعربية الشقيقة، الذى تكرَّم ودعَّم بناء المكتبةمشكوراً ومأجوراً، وكذلك تفضل الرئيس السيسىووافق مشكوراً على رعاية مؤتمر الحوارالإسلامى- الإسلامى فى نسخته الجديدة المقررانعقادها بالقاهرة فى إبريل المقبل إن شاء الله، بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، وهذا يؤكدحرص سيادته على دعم مبادرات الأزهر الشريفواحترام مكانته فى مصر والعالم الإسلامى.
– لكن هناك من يقول إن الأزهر عرقل جهودتجديد الخطاب الدينى التى دعا إليهاالرئيس السيسى؟
الذين يقولون ذلك لا يعرفون الكثير عنالأزهر، ولم يقرأوا وثائقه المتعددة التى أصدرهافى فترة الاضطراب والتفكُّك، أو مقرراتهالدراسية أو بياناته، بل لم يحضروا مؤتمراتهومنتدياته، ولم يتابعوا كل القضايا التى تحدثناعنها، وعلى رأسها ملف الحوار الدينى وتعزيزالتعايش والأخوة الإنسانية، بل ربما لم يتابعوابرامجنا التليفزيونية، ولم يقرأوا صحيفة «صوتالأزهر».
الأزهر عبر تاريخه يؤمن بأهمية تجديدالخطاب الدينى ويعمل على ذلك، وتوَّج جهدهالتاريخى فى تجديد الخطاب الدينى بمؤتمرعالمى فى يناير من عام 2020م برعاية السيدالرئيس عبد الفتاح السيسى، وقد تصدى المؤتمروبوضوح وحسم لكل القضايا التى يستند إليهاالمتطرفون فى بناء منهجهم المنحرف، ومنها: التكفير، والحاكمية، والهجرة، والدولةالديمقراطية، وغيرها فى إطار تصويب المفاهيم.
وقد أرسينا- من خلال المؤتمر- رؤية شاملةللمواطنة وقضاياها، وحق غير المسلمين فى هذهالمواطنة، ووضعنا رؤية شاملة للمرأة وقضاياهاباهتمام كبير حتى بات الأزهر يُتهم بمحاباةالمرأة، وقبل ذلك، وعلى مدى أكثر من 16 عاماً، عقدنا المؤتمرات والمنتديات وأصدرنا الوثائق، وطوَّرنا المقررات الدراسية، وأكدنا أن التجديدعملية مستمرة يتراكم فيها الإنجاز، ولا يتعارضمع تراثنا.. وهنا يجب التنبُّه إلى أن الأزهروعلماءه الأمناء على رسالته يرفضون كل من يحلمأو ينتظر منا أن نُدير ظهرنا للتراث برُمَّته، كمانرفض بالقوة ذاتها من يكتفون بالانكفاء والاكتفاءبالتراث وإدارة الظهر لمنجزات العصر.. لدينا رؤيةمحورية تنبع من عمق تراثنا، هى أننا لا نقدِّسالتراث وإنما نقدِّره، ونبنى على الصالح فيه وهوكثير جداً، مع الاستفادة بما يتوافق مع مقاصدشريعة هذا التراث من منجزات العصر الحديث، وبطاقة استيعاب كبيرة، وقد تحدثنا مع الشبابالمسلم مؤكدين لهم أنهم كمسلمين ليسوا وحدهمفى هذا العالم، وأنهم مطالبون بالاحتكاكوالاندماج والمساهمة فى الحضارة الإنسانية دونفقدان لخصوصية هويتهم الدينية، ووثَّقنا كل ذلكفى مؤلَّفات عدة صدرت عن الأزهر وهيئاته وعنمجلس حكماء المسلمين تؤكد أهمية العلاقةالتكاملية الإيجابية بين العلم والإيمان.
– بوصف فضيلتكم مواطناً مصرياً قبل أنتكونوا شيخاً للأزهر.. كيف ترى الوضعفى مصر فى ظل التحديات الحالية؟
المؤكد أننا فى مرحلة صعبة، ومصر هى جزءمن العالم، ينطبق عليها ما ينطبق عليه، وهى ماكادت تخرج من حالة الاضطراب لتنعمبالاستقرار حتى ظهرت أزمات جائحة كورونا، ثمالحرب فى أوكرانيا، ثم الصراعات فى الإقليم، ثمالعدوان على غزة، وبالقطع هناك متاعباقتصادية تمر بها الدولة وتضغط على المواطن، لكننى أثق فى قدرة المصريين وقيادتهم على عبورهذه الأزمات، ولا ينكر أحد ما تحقق فى الفترةالأخيرة من إنجازات حقيقية؛ فقد تم القضاء على«فيروس سى» الذى فتك بأرواح المصريين ردحاً طويلاً فى الزمن الغابر، وهذا مشروع «حياةكريمة» الذى ينهض بالقرى، ومشروع «تكافلوكرامة» الذى يوفر معاشات للفقراء، وصندوقبيت الزكاة والصدقات المصرى، وتطويرالعشوائيات، وتطوير الطرق، وإقامة الكبارىوالمدن الكبرى والعاصمة الجديدة، وغير ذلك منمشروعات ومبادرات وجهود تسعى لتطوير الحياةوالمجتمع، وغير ذلك من محاولات جادة ومستمرةلخفض الديون وتحسين الرعاية الصحيةوالاجتماعية وتطوير التعليم.
وأعتقد أن الدولة لديها فرصة للحوار بينالمختصين والخبراء لتحديد المشكلات وتقييمها، وإسهام المواطنين بجانب الدولة ومؤسساتها فىخطة التصدى لحلها والعبور بها لمواجهة الأزمات.
ونحن نثق فى إخلاص الرئيس السيسىللوطن ورغبته فى تحقيق الأفضل، ونتابع جهداً كبيراً تبذله الحكومة وسائر المؤسسات، وندعوالمصريين فى الداخل والخارج إلى التكاتف وبذلكل ما يستطيعون من جهد وطنى مخلص من أجلمصر التى تسعنا جميعاً، وندعو الله أن يوفق كلهذه المساعى الصالحة، وأن يوفق الرئيس لتحقيقتطلعات المصريين.
– بمناسبة التحديات فى الإقليم وتأثيرهاعلى الأمن القومى المصرى والعربى، كيفترون حالة التفتيت والتنافس بين الأطرافالعربية بما يضعف النظام العربى؟
تعلَّمنا أن نسأل دائماً عن المستفيد من أىشقاق.. ومن ظواهر الأمور وحدة الأمة العربيةليست فى صالح أطراف كثيرة دولية وإقليمية، ترى أن من مصلحتها أن تستمر حالة التفتيتوالتمزيق وتصارُع الأقطار العربية فيما بينها، لكننا- وبرغم ذلك- نعوِّل كثيراً على حكمة قادةالعرب، وأيضاً على الحكمة المصرية فى رأبالصدع، وفى تشجيع الأشقاء على بناء نظامعربى قادر على تحقيق أهداف موحَّدة قابلةللتطبيق ومتعاونة فى الوقت نفسه مع ما يستقرعليه النظام الدولى وتُحقق مصلحة الشعوبالعربية، مع التنبُّه إلى أن هناك من يصدِّرللمنطقة طوال الوقت فتناً كقِطَع الليل المظلم بغيةتحويلها إلى كتل من اللهب والحروب البينية ليظلالعالم العربى فى حالة من التخلف والخلافوالفقر والمرض لا يبرحها فى المنظور القريب، لكننى أثق بأن الحوار والتفاهم بين القادة العربقادر على حل الاختلافات وعلى حماية الشعوبالعربية وتحقيق أمنها وسيادتها فى إطار منحسن الجوار والثقة والتعاون تحت مظلة المصالحالعربية المشتركة.
وأنا أعوِّل على حرص القادة العرب علىتجاوز فخاخ الفرقة والفتنة، كما أثق بقدرتهم علىالحوار وتقريب وجهات النظر فى الغرف المغلقةمن أجل إطفاء الحرائق الملتهبة فى منطقتناالعربية.
– طوَّرتم خلال السنوات الماضية علاقةقوية مع «الفاتيكان» انعكست على صداقةكبرى مع الراحل الكبير البابا فرنسيس، لكن البعض يتساءل عن علاقة الأزهربباقى ممثلى الأديان وكأنه يكتفىبالكاثوليك؟
هذا ظن غير صحيح، وقد يكون سببه تركيزالإعلام على هذه العلاقة، والصحيح أن علاقتنابجميع قادة وزعماء الأديان فى العالم جيدة جداً، والحوار المحترم لا ينقطع مع الجميع، وكلالمؤتمرات والمنتديات التى نحضرها منذ خمسةعشر عاماً تضم تنوعاً دينياً كبيراً لزعماء الأديانوالطوائف، لكن- كما قلت لك- الإعلام يركز علىعلاقة الأزهر بالفاتيكان، ربما لأن الفاتيكان هوالأشهر إعلامياً وصاحب الرواج الأكبر فىالإعلام الدولى، وإلا فإن لقاءاتنا متعددة معأعضاء مجلس الكنائس العالمى بتنوعهم الكبير، وقد التقيت أكثر من مرة الصديق العزيز: جاستنويلبى، رئيس أساقفة كانتربرى السابق، فىالقاهرة ولندن وروما وكازاخستان، وتشاركنا معاً فى تدشين منتدى شباب صناع السلام كأحدمخرجات جولات حوار حكماء الشرق والغرب التىأطلقها مجلس حكماء المسلمين، وبيننا أيضاً تفاهم كبير فى كثير من القضايا، خصوصاً المتعلقة بأهمية دور الأديان فى إعادة ضبطالبوصلة البشرية فى اتجاه قادر على تهذيبطغيان المادية على السلوك البشرى.
كما التقيت والأخ برثلماوس الأول، بطريركالقسطنطينية للكنيسة الأرثوذكسية المسكونية، وبيننا حوار كبير وود متصل وتعاون مشترك، ومعه سائر قادة الكنائس الشرقية، بطوائفهاالمتعددة. وفى سياق اجتماعاتنا التقينا رجال دينيهوداً وبوذيين وهندوساً وصابئة وزرادشتيين، وكثيرٌ منهم كان يحل ضيفاً على مؤتمرات الأزهر، وعلى لقاءات مجلس حكماء المسلمين وحواراته.
وكذلك علاقتنا مع الكنيسة الروسية، ولدينا – الآن- لجنة مشروع الحوار الإسلامى المسيحىبين الأزهر ومجلس حكماء المسلمين والكنيسةالروسية، سوف يعلن عنها قريباً، كما أننا علىتعاون دائم مع مجلس الكنائس العالمى، ولدينامبادرات مشتركة لتعزيز الحوار.
– وكيف تتذكرون علاقتكم بالبابافرنسيس؟
أتذكر أننا حين بدأنا لقاءاتنا كنا فى مرحلةاستكشاف مبدئى، وكانت العلاقات مقطوعة بينالأزهر والفاتيكان، ثم بدأت بعد ذلك مباشرةً لقاءات رسمية، أو بروتوكولية كما يسمونها، وسرعان ما تطورت الأمور بعد ذلك حين تعرف كلمنا على حقيقة الآخر، ولمس صدق الآخر، وأن ماننادى به لم يكن يستهدف الاستهلاك الإعلامى، وإنما هو تعبير عن قيم راسخة وأصيلة عند كلمنا، وهو ما ساعدنا على تجاوز تحديات وعقباتكثيرة، وما يمكن التأكيد عليه هنا هو: أن البابافرنسيس كان رجل سلام ممتاز، وامتلك طاقةتسامح كبيرة، ودائماً ما سعى بصدق لتعزيزالتعايش، والأهم أنه كان يحترم أديان الآخرينويرفض التجاوز والتعصب والتمييز وكلالممارسات الإقصائية، وبهذه الطباع الشخصيةنجحنا فى بناء صداقة وأخوة حقيقية، تكرستلتخفيف معاناة الإنسان المعاصر بسبب غيابالدين وقواعد الأخلاق الإنسانية من مراكزالتوجيه والتأثير فى المجتمع، وسرعان ما تُوِّجتبتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية التاريخية فىأبوظبى عام ٢٠١٩م، وهى الوثيقة الأهم فىالتاريخ الإنسانى الحديث، وقد اعتمدت الجمعيةالعامة للأمم المتحدة بإجماع الآراء يوم توقيعهايوماً دولياً للأخوة الإنسانية، كما تم تبنِّيها فىعدد من المناهج والبرامج التعليمية فى الأزهروالفاتيكان ومصر والإمارات ولبنان والبحرينوأمريكا وغيرها؛ لما تتضمنه من قيم ومبادئإنسانية سامية، فى مقدمتها: قيم الحواروالتسامح والتعايش والسلام، وجميعها قيمإنسانية وإسلامية راسخة.
ونحن على تواصل مع البابا «ليو» الرابععشر، بابا الكنيسة الكاثوليكية واتفقنا علىالاستمرار فى العلاقات الوثيقة والمشروعاتالمشتركة، وقد استقبل البابا ليو منذ بدء حبريتهابننا القاضى محمد عبد السلام، الأمين العاملمجلس حكماء المسلمين، ممثلاً عن شيخ الأزهرومجلس حكماء المسلمين عدة مرات، وهناكترتيبات تجرى للقاءات قريبة -إن شاء الله- معقداسته.
– تحدَّثتم فضيلتكم كثيراً عمن أرادوا عرقلةهذه الصداقة الوطيدة، من فعل ذلك؟ وهلهو فى الجانب المسلم أو المسيحى؟
المتطرفون أو المتشددون أو المتحفظون موجودونفى كل مجتمع وحاضرون فى كل عقيدة ومذهب، هذه حقيقة، لكننا نعول دائماً على التيار الرئيسىومصادره وفلسفاته الحقيقية داخل كل طائفة، وفى طريقنا نحو الأخوة الإنسانية مع البابافرنسيس واجهنا آراء متشددة كثيرة، هنا وهناك، بعضها كان يحرِّم مجرد اللقاء بين شيخ الأزهروبابا الفاتيكان، وبعضها كان يريد أن يضعشروطاً تسبق أى حوار، وكأننا فى حالة صراع لايخدم الأهداف العليا التى نتطلع إليها، وقد حدثذلك على الجانبين، والبابا نفسه واجه معارضاتكانت تلومه على هذا الانفتاح غير المعهود، لكنفى النهاية انتصرت النيات الصادقة والمخلصة، وواصلت تلاقيها على المودة المتبادلة والصداقةوالإخلاص، وجاءت حواراتنا سعياً لتعزيزالتعايش بين الناس على اختلاف أديانهموأجناسهم وألوانهم وألسنتهم وأوطانهم، ومانتحدث عنه اليوم من تعزيز الأخوة الإنسانية، ومنإقناع الناس بهذه الأخوة، وأنهم ليسوا فقطشركاء فى الأوطان، بل هم-جميعاً- إخوة من أبواحد وأم واحدة، وما تحدثنا فيه وما انتهينا إليهلم يكن غريباً عن الإسلام: قرآناً وسُنة.. اقرأ إنشئت قوله تعالى فى سورة الحجرات: «يَا أَيُّهَاالنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: 13]، ثم اقرأ قوله صلى الله عليه وسلمفى دعائه بعد الصلاة: «اللهم ربَّنا وربَّ كلشيء، أنا شهيدٌ أن العباد كلهم إخوة».
– هناك أيضاً من يعتقد أن الانفتاحالأزهرى على الخارج يأتى على حسابالداخل، وبلغة أخرى: هناك من يرى أنالعلاقة مع بابا الفاتيكان تبدو أكثر وداً وقرباً من العلاقة مع بابا الكنيسةالقبطية؟
هذا ادعاء ساذج ومُجافٍ للحقيقة، ومن يقول به لايعرف تاريخ الأزهر ولا قناعاته، والحقيقة أنانفتاح الأزهر على العالم يأتى ترجمةً وانعكاساً لانفتاحه فى الداخل، وقبل أن نعيد بناء العلاقاتمع الفاتيكان وسائر المؤسسات الدينية فى العالم، كنا قطعنا شوطاً كبيراً -وقبل ذلك بسنوات- فىترسيخ علاقة وطيدة مع أخى العزيز الباباتواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازةالمرقسية ومن قبله البابا الراحل شنودة، وسائرزعماء الطوائف المسيحية فى مصر، جمعناجميعاً -ولا يزال يجمعنا- بيت العائلة المصرية قبلأكثر من 15 عاماً بوصفه مؤسسة أصبحت-اليوم- نموذجاً يحتذى، وقد تلقيت تقارير عدةأشادت بتجربته الناجحة والرائدة من دول كثيرةعبر العالم، وهذا الكيان أترأسه بالاشتراك معالبابا تواضروس، ويضم فى داخله ممثلين لكلالطوائف المسيحية فى مصر، وقد نجح فى بناءاستراتيجية فريدة، استطاعت القضاء علىالتوترات الطائفية ووأدها فى مهدها، ولا يزال بيتالعائلة يمارس دوره بقوة من خلال العديد منالمبادرات المشتركة التى تستهدف تأكيد قيمالمواطنة والتعايش بين أبناء الوطن الواحد.
ثم إن هناك الكثير مما أنجزناه من وثائق كانلها أكبر الأثر فى تماسك الداخل المصرى، وفىإعادة تصحيح المفاهيم، مثل: إعلان الأزهرللمواطنة والتعايش، الذى تمت قراءته من فوقمنصة مركز الأزهر للمؤتمرات بحضور قادةالأديان والطوائف فى مصر والشرق الأوسط، وهو ترجمة أمينة لفهم الأزهر الصحيح لمسألةالمواطنة وقيمتها وتأصيلها إسلامياً، بحسبانهاممارسة تاريخية رسَّخها وأرسى قواعدها النبىصلى الله عليه وسلم فى تأسيس دولة المدينة، وقدتصدينا لدعوات تحريم بناء الكنائس وتحريمتهنئة غير المسلمين بأعيادهم، وغير ذلك منالأقوال والآراء التى كانت تنغص حياة النسيجالاجتماعى الواحد للمجتمع المصرى، بل ذهبالأزهر إلى أبعد من ذلك حين ضمن هذه المفاهيمالمغلوطة مع تفنيدها فى مناهج دراسية فىالصفين الثالث الإعدادى والأول الثانوى، وأقول: إنه لو لم يكن الأزهر بهذا الانفتاح الكبير فىالداخل، هل كنت تستطيع أن تصدر أعداداً منصحيفة «صوت الأزهر»، وعلى مدى سنواتمضت تحتفى بميلاد السيد المسيح عليه السلام؟!
– هناك من يقول أيضاً إن الأزهر المنفتحفى الخارج يبدو ضيِّق الصدر فى الداخلولا يرغب فى الحوار بالقدر ذاته منالتسامح مع المفكرين والكتاب الذينيهتمون بالفكر الإسلامى؟
هذا يتوقف على تعريفك للمفكرين والكتاب؛ فهؤلاء- كما أراهم- موجودون دائماً فى كلفعالياتنا، سواء فى مصر أو فى أى مكان فىالعالم، ويكفى أن تراجع قوائم المشاركين فى هذهالمؤتمرات والفعاليات لتدرك أن أبواب الأزهر كانتمُفتَّحةً ولم توصد فى وجه أحد، سواء منالمتخصصين فى كل المجالات، أو من أساتذةالجامعات، أو حتى الفنانين والمشتغلين بالفكرالسياسى.. لكن هناك من يرغبون دائماً فى إثارةالجدل بصرف النظر عن منهج الحوار وجديته، وهؤلاء ربما لا ننشغل بهم كثيراً، لكننا نستفيد منكل المفكرين الجادين فى تخصصاتهم مهمااختلفوا معنا؛ لأنهم أيضاً ينطلقون من اعترافكبير وتقدير واضح لدور الأزهر ومكانته فىالماضى والحاضر والمستقبل، حتى وهم ينتقدونأداءه ودوره، لكن الذى يقول: «إن الأزهر لا قيمةله، ولا يصح أن يكون له أى دور»، كيف يمكنكالتحدث إليه، فضلاً عن إجراء حوار جاد معه؟!
إن حواراتنا مع الأطراف كافة تقوم علىالاحترام والاعتراف والتقدير، وإن الأزهر لا يحملضغائن لأى أحد، وهو يفتح أبوابه للجميع فىهذا السياق، ويمكنك مثلاً أن تراجع جداولندوات جناح الأزهر فى معرض الكتاب لتعرف أننصف المتحدثين فيها غير أزهريين، وأنها ندواتمفتوحة للجمهور، وانظر إلى الدروس فى الجامعالأزهر ونشاطات مجمع البحوث، والمؤتمرات داخلالجامعة، لتجدها كذلك.. كما أن قيادات الأزهرتشارك فى أنشطة كثيرة خارج الأزهر فىالوزارات والهيئات وغير ذلك من المنتديات، وقلمثل ذلك فى الأنشطة الرياضية بين طلبة الأزهرووزارة الشباب والرياضة وما بينهما منبروتوكولات واتفاقيات.
وما يجب التأكيد عليه هو أن الحوار معالأزهر لا بد أن يكون بعيداً عن نهج الإثارة التىتنتهجها بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصلالاجتماعى؛ لأن التشبث بهذا النهج هو الذىيخلق حالة التوتر والصراع.. وقبل أكثر من عشرسنوات أو يزيد تحدثت عن ضرورة نبذ الصراعوتبديد الجهد والوقت فى مساجلات تستنزفالطاقة ويحركها التربص المسبق والانتقاءوالاجتزاء والبحث عن الأقوال الشاذة، وطالبتبضرورة بناء تيار وسطى من الأزهريين وغيرهممع المثقفين، بعد استبعاد المتطرفين من كل جانبوممن يختطفون أى نقاش لأغراض غير علمية، فهذه هى الطريقة الوحيدة لحوار ناضج وراشديستهدف المصلحة العامة وليس المصلحةالشخصية فى الرواج والانتشار وزيادةالمشاهدات والإعلانات، ولعلك تدرك معى أنالمعركة فى عمقها البعيد ليست معركة ضد الأزهربقدر ما هى معركة ضد ثوابت المجتمع وقيمهالدينية والأخلاقية، وعاداته الشرقية الأصيلة، ومحاولات تذويبه فى ثقافات غربية يغنينى عنالحديث عن خطرها الماحق ما أصاب بعضشبابنا من انحرافات لم نعهدها عليه من قبل.
– هؤلاء أيضاً يقولون إن للأزهر خطابين: خطاباً للداخل وآخر للخارج، وإنالخطابين بينهما تناقض؟
وهل نتحدث فى الخارج لغةً غير اللغةالعربية، وهل ما نقوله فى الخارج لا يعرفه الناسفى الداخل، وما نقوله فى الداخل ألا يصل إلىالخارج؟! هذه مزاعم يبطلها الواقع العملى، كلامنا واحد لا يتغير، وعلى من يدَّعى غير ذلك أنيأتى بمثال واحد، ووسائل الاتصالات الحديثة ماعادت تسمح بمثل هذا الخطاب المزدوج، وهىخير دليل فى تفنيد هذه الدعوى، لأنه كيف! وقدصار العالم كله بفعل ثورة الاتصالات مكاناً واحداً، والكلمة التى يقولها الأزهر هنا فىالمشيخة بالقاهرة أو نقولها تجد صداها- فىالوقت نفسه- على شاشات الإعلام العالمى، ومايقوله الأزهر فى إندونيسيا أو نيجيريا أوموريتانيا أو أوروبا يُسمع فى العالم كله ولايخفى أبداً على أحد فى الداخل.
قناعاتنا نعبر عنها فى أى مكان وبلغتناالعربية الفصحى، ونظهرها فى الممارساتالعملية، ونضعها فى المناهج والمقررات والوثائق، وهو أكبر دليل على أنها قناعات راسخة لا تفرقبين داخل وخارج.
على العكس.. البعض يلوم علينا فىخطاباتنا فى الخارج أننا ربما نتجاوزالبروتوكولات الخاصة بالكلمات الرسمية، فتجدأحاديثنا صادمة للبعض، ولكن لدينا قضاياوعقائد ثابتة ذات أهداف إنسانية لا مفر لنا منالدفاع عنها ومن دعمها والتذكير بها فى أىمكان وعلى أى منبر.
– بذكر خطابات فضيلتكم والعلاقة معالخارج.. لُوحظ فى خطاباتكم نَقدٌ مستمرللحضارة الغربية حتى أثارت تساؤلاتحول إنكار شيخ الأزهر لمنجزاتها؟
لا يوجد عاقل ينكر هذه المنجزات العظيمةللحضارة الغربية، وأنا حين أنتقدها فأنا أقول هذاالكلام فى الغرب نفسه فى معقل هذه الحضارات؛ فى باريس وألمانيا وروما ولندن وسويسرا وغيرها، وقد لاحظت أن كثيراً من الحاضرين الغربيينكانوا يتلقفون ما أقوله بصدر رحب، ولا يعتبرونهذا النقد انتقاصاً من حضارتهم بقدر ما اعتبروهرصداً لواقع حقيقى غير مقبول، وقد شاركنا فىهذه الرؤية مفكرون وفلاسفة غربيون كثيرون جداً، ونحن لا ننكر أن الحضارة الغربية قطعت شوطاً كبيراً من الإنجازات العلمية الهائلة والعظيمة التىوفرت خيراً كثيراً وهائلاً للبشرية فى كل مجالاتالصناعة والطب والتكنولوجيا والفضاء، لكنها معالأسف ربطت كل ذلك بقيمة وحيدة هى قيمةالربح، وما تسبب عنه من كوارث حين تحولالإنسان إلى مجرد آلة مادية هدفها الربح وفقط، وفى سبيل هذا الربح بِيعَت القيم الإنسانيةذاتها، وبِيعَ الإنسانُ ذاته، وبِيعَ مصيرهومستقبله فى أسواق السلاح وبورصة الصراعاتعلى مناطق الثروة، حتى صحة الإنسان ومقوماتحياته الأساسية صارت تجارة هدفها التجارةوقيم السوق والربح قبل قيم الصحة وقيم الحياةالنبيلة.. بل إن الإنسان فى حريته وفى حياته علىأرضه صار اليوم رهناً بمشيئة الآخرين وبماتسوِّل لهم أغراضهم وشهواتهم ونزواتهم، ومرةً أخرى يغنينى الواقع الأليم عن أى كلام فى هذهالمقارنات.
هذا الغرق فى النظرة المادية هو ما انتبهتإليه حركات اجتماعية وفلسفية وفكرية أوروبية، وخرج منها مفكرون يتساءلون عن القيم الروحيةالمهدرة فى هذا العالم المادى الصناعى الذىحتى لم يوظف هذا الرفاه، وهذه الفوائض فىبناء السلام، وإنما استخدم كل ذلك فى تغذيةالصراعات وخلق التوترات.
– كان لافتاً دعوتكم لتحقيق السلام بينرجال الأديان أولاً.. لعلها أول خطاب نقدىمن رجل دين كبير، هو إمام للمسلمين، لرجال الأديان عموماً بمن فيهم رجال الدينالإسلامى؟
بالقطع لا أستثنى رجال الدين الإسلامى منتلك الحالة التى وصفتُها بالصراع بين رجالالأديان؛ فهناك خطابات دينية فى كل دين ومعتقدتثير التوتر مع الآخر وتعزِّز الصراع وتنفخ فى نارالخلافات والفتن، وكى نحقق السلام بين الشعوبلا بد أن ندرك أن السلام بين أهل الأديان هوالمحور الرئيسى فى صنع حالة السلام العام، وأن«الأخوَّة الدينية» كما قلت هى باعثة «الأخوَّةالإنسانية العالمية» وصانعتها، ولا مفر من أنتكون كذلك.. والبداية الصحيحة هى بعث هذهالأخوة بين علماء الأديان ورجالها؛ بحسبانهمأقدر الناس على تشخيص العلل والأمراضالخلقية والاجتماعية وأبصرهم بطرق العلاج فىهذا المجال، خصوصاً مع وجود نزعات تعادىالأديان وتستهين بها وتجتهد فى إقصائها لصالحتقديس المادة.
لذلك كان مهماً جداً أن يطلق الأزهر دعوتهإلى أولوية صنع السلام بين علماء الأديانورموزها ومؤسساتها؛ إذ ليس من المعقولوالمقبول أن يخرج رجال أديان يدعون إلى السلامويحضون السياسيين والعسكريين على صنعالسلام فيما هم فاقدون لهذا السلام فيما بينهموبين بعضهم، بل ويحرضون أتباعهم علىالكراهية والعنصرية والاستعلاء والتمييز.. وقديماً قيل: «فاقد الشىء لا يعطيه».
– البعض يفسر هذا الانفتاح ودعواتالإخاء الإنسانى فى إطار مساع لدمجالأديان؟
الأخوَّة الإنسانية لا تعنى مطلقاً الدعوة إلىإدماج الأديان فى دين واحد؛ فمثل هذه الدعوة لاينادى بها عاقل ولا يقبلها مؤمن أياً كان دينه، وهى فكرة مدمرة للأديان، ومجتثة لها من الجذور، وهى فى أفضل أوصافها خيال عبثى وأحلام غيرقابلة للتصور، فضلاً عن التحقق، فقد قضى اللهتعالى أن يجعل لكلٍّ شرعةً ومنهاجاً.. وما أقصدهفى هذا الموضوع هو الدعوة إلى العمل الجاد منأجل تعزيز المشترك الإنسانى بين الأديان وبعثقيم التعارف والاحترام المتبادل بين الناس، وهىكثيرة ومتعددة.
– هل الشيعة جزء من هذه الرؤية للانفتاحوالتعاون والأخوَّة؟
هم إخوة لأهل السنة، ولا يحتاجون إلى وثائقللتأكيد على ذلك، وهم جزء من الأمة الإسلامية، وجزء من أوطاننا العربية، ويتمتعون بمواطنةكاملة فى كل البلاد العربية التى يتواجدون فيها، ليس فقط الشيعة، بل أيضاً: الزيدية والإباضيةوغيرهم من مكونات العالم الإسلامى.
والأزهر هو صاحب مدرسة التقريب وتعزيزالتفاهم بين المذاهب، والساعى- دائماً- إلى وحدةالأمة الإسلامية حول أهدافها الكبرى؛ وحدةالفكر والموقف مهما تعددت مذاهبهم، وأناشخصياً تربطنى علاقة الأخوَّة العلمية بكثير منمراجع الشيعة العرب وغير العرب، وبيننا مودةوتقدير واحترام متبادل فى كل لقاءاتنا، وها هوالأخ العزيز: السيد على الأمين، زميل لنا فىعضوية مجلس حكماء المسلمين، ويشاركنا فىاجتماعاتنا ورؤيتنا وأهدافنا، وكذلك الأخ الفاضلالشيخ أحمد مبلغى معنا فى مبادرة الحوارالإسلامى، والعديد من المراجع الشيعية منالعراق وبلاد المسلمين مثل العلماء أبناء السيدالخوئى والسيد الحكيم وغيرهم من المراجعالعلمية.. وصحيح أن توقعات المسلمين كبيرة، لكنككل الحوارات والعلاقات أحياناً يكون صوتالمتطرفين عالياً، والبعض يحاول توظيف هذاالتقارب توظيفاً سياسياً، غير أن الأزهر ليست لهعلاقة بالسياسة ولا بالعلاقات الدولية، خاصةً العربية والإسلامية، ولا يقبل أن يوضع فىمواضع استغلال سياسى لانفتاحه أو سَعةصدره.
لكن، ونحن نعلن دعوتنا فى كل مكان فىالعالم العربى والإسلامى لدعم المواطنة الكاملةوالاندماج الإيجابى بين كل عناصر الوطنالواحد، لا نستثنى الشيعة من هذه الدعوة، بلنسعد كلما رأيناهم مندمجين فى أوطانهمومشاركين فى نهضتها.. وقد يحمل المستقبلالقريب قفزات مهمة فى هذا الملف، خصوصاً فىالسياق العربى، وقد عقدنا والحمد لله جولةناجحة من الحوار الإسلامى- الإسلامىبالبحرين توَّجناها بإطلاق «نداء أهل القبلة» الذى نبنى عليه فى الوحدة الإسلامية العُلمائية، وننتظر الجولة الثانية بالقاهرة فى إبريل المقبللتحقيق المزيد إن شاء الله!
– بالحديث عن الضغوط، كيف يتعاملالأزهر وقادة الأديان مع الإلحاح الكبير منمؤسسات كبرى ومتنفذة على التطبيع معالشذوذ والممارسات التى تهدد كيان الأسرةالسويَّة.. وهل هناك توافق فى هذاالصدد؟
لا يمكن أن نقبل بأى ضغط أو تنازل فىمواجهة هذا الخطر، وهناك توافق مجتمعى كبيرداخل مصر فى رفض ذلك، وهناك رؤية دينيةمشتركة عبَّرنا عنها فى مؤتمر بيت العائلةالأخير، بمشاركة الأزهر وكافة الكنائس المصريةلرفض هذا التغلغل ومحاولات الهيمنة وفرض تلكالنماذج الشاذة عبر المؤسسات الفنية والإعلاميةالناعمة، بل ومحاولة الوصول إلى الأطفالومناهجهم والمحتوى الذى يتعرضون له.
وهذا الملف معروض باستمرار على قادةوزعماء الأديان فى العالم فى كل مناسبةواجتماع، وهناك توافق على رفض هذا السلوك، وتأكيد- لا يتوقف- على دعم مؤسسة الأسرةالطبيعية التى تتكون من زوج وزوجة – فقط لاغير- حمايةً للفطرة السوية ولبقاء البشرية كماأراد لها الله تعالى، وهو ما نصت عليه وثيقةالأخوَّة الإنسانية التاريخية، ومازلنا فى حاجةإلى بذل مزيد من الجهود والتخطيط لاستراتيجيةشاملة للوقوف أمام تلك الهجمة التى تستهدفقيمنا وأخلاقنا وفطرتنا، وقد شاركت فى مؤتمرحاشد فى مدينة روما فى أكتوبر الماضى، وقلتبالحرف الواحد، وبحضور فخامة السيد الرئيسسيرجيو ماتاريـلا، رئيس الجمهورية الإيطالية، والملكة ماتيلد، ملكة بلجيكا، وقادة الفكر منالشرق والغرب، قلت: «هناك أزمات اجتماعيةتترصَّد مقدسات الشعوب، وتعبث بعقائدهاوثوابتها الدينية والأخلاقية، ولا تكف عنتربصاتها بمؤسسة (الأسرة) والأطفال، وتصديربدائل شاذة تنكرها الأديان والأخلاق، وتنفر منهاالأذواق السليمة الصحيحة، وترفضها الفطرةالإنسانية التى فطر الله الناس عليها من عهد آدمعليه السلام إلى يومهم هذا».
– كثير من المحللين عربياً ودولياً أكدوا أنالجهد المشترك الذى قمتم به فضيلتكم معبابا الفاتيكان وتوقيع وثيقة الأخوَّةالإنسانية يستحق جائزة نوبل فىالسلام، لكن موقف شيخ الأزهر الداعمللقضية الفلسطينية والمناهض لدعاةالمِثلية يعوق ذلك؟
لو كان ذلك صحيحاً فقد حصلت على ما هوأهم من أى جائزة. لست بفضل الله ممن يشغلونأنفسهم بالجوائز أو الماديات أو يسعون إليها، أنارجل بسيط جداً، وجائزتى التى أحبها هى كتابوقطعة خبز وكوب شاى وجلسة هادئة أسفلشجرة فى منزل العائلة بصعيد مصر.
لا أهتم بالترشيحات ولا أتخذ مواقف ولاأطرح آراء سعياً لاستحسان هذا أو استهجانذلك، فقط يكفينى أن أحمل، ومعى أساتذتىوزملائى وتلاميذى داخل الأزهر الشريف، أمانةالعلم، وهو تشريف كبير وتقدير يفوق أى تقدير، وتكليف نسأل الله أن يعيننا عليه.
أنا رجل قد بلغ الثمانين من عمره، وأشعر بأنالله تعالى كفانى بحلاله عن حرامه وأغنانىبفضله عمَّن سواه، وأننى عازف عن كثير مما فىأيدى الناس من زينة الحياة الدنيا، ولا أظن أنعندى ما يجعلنى أستبدل الذى هو أدنى بالذىهو خير، فرضا الله سبحانه، وخدمة الإسلاموالمسلمين، والمناداة بحق العدل والسلاموالاجتهاد فى حماية الضعيف ونصرة المظلومأينما كان وكيفما كان، وأياً كان دينه أو اعتقاده؛ فشريعتنا تنبذ الظلم وتحرِّمه تحريماً قطعياً.. كلذلك هو أقصى ما أبتغيه، وغاية ما أطمح إليهفيما تبقى لى من العمر، وأدعو الله أن يوفقنى فيهويعيننى عليه.