ملتقى المرأة بالجامع الأزهر.. دروس من الإسراء والمعراج: تكريم رباني للنبي ﷺ وتثبيت للمؤمنين”

عقد الجامع الأزهر الشريف ندوته الأسبوعية ضمن فعاليات “ملتقى المرأة”، بعنوان “الإسراء والمعراج بين كرامة النبي ﷺ ووسطية الأمة” بحضور أ.د سمحاء عبد المنعم، رئيس قسم الفقه بكلية البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان، د. دينا سامي، مدرس التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالزقازيق، د. حياة العيسوي، الباحثة بالجامع الأزهر.

وأوضحت أ.د سمحاء عبد المنعم، أن الإسراء والمعراج ليست قصة تاريخية تُروى، بل منهج حياة، يُعلِّمنا أن الشدائد تسبق الفرج، وأنه إذا أغلقت الأرض أبوابها فباب السماء لا يُغلق أبدًا، فقد جاءت هذه المعجزة بعد أقسى مراحل الابتلاء في حياة النبي ﷺ، تثبيتًا وتكريمًا له، وتعويضًا عن جفاء الأرض بحفاوة السماء، ليبقى هذا الدرس ممتدًا في حياة الأمة كلها.

وبيَّنتُ أن إنكار بعض الناس لهذه المعجزة ناشئ عن خلطٍ بين قدرة الخالق وحدود المخلوق، فالنبي ﷺ لم يقل: سريتُ، ولم يقل الله تعالى: سبحان الذي سرى عبده، بل قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾، فجاء الإسناد في القرآن إلى الله تعالى، ليُعلَم أن ما وقع فعلٌ إلهيٌّ محض، لا يُقاس بمقاييس البشر.

وأضافت أ.د سمحاء أن النبي ﷺ عاد من المعراج لا بتخفيف أعباء، بل بأعظم هدية، وهي الصلاة؛ فجعلها الله جبرَ خاطرٍ ربانيًّا وتشريفًا سماويًا، وبابًا يوميًا مفتوحًا بين العبد وربه، نزداد به قربًا في كل وقت، ونلجأ إليه خاصةً حين تضيق بنا الأرض، ومن هنا، فالتهاون بالصلاة ليس ذنبًا عابرًا، بل نزولٌ بعد رفعة، وانقطاعٌ بعد وصال.

من جانبها، أشارت الدكتورة دينا سامي، مدرس التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالزقازيق، إلى أن معجزة الإسراء والمعراج تعد آية من أعظم الآيات فهي المعجزة الفريدة الحسية المادية التي كتب بمداد نورها الحرف الأول في سطرالحفاوة الربانية الذي افتتحت به نفحات الفرج وانكشاف غمم المحن والبلاء، فقد جاءت في أعقاب عام الحزن الذي ابتلي فيه سيدنا ونبينا ﷺ بفقد زوجه ومأنس قلبه ومطمئن فؤاده، وزيرة الصدق له ﷺ في دياجير المحن، والتي كانت تخفف عنه آلامه سيدة نساء العالمين السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، إلى جانب فقده الرجل الحمي الجريء، المطاع في قومه، العزيز في حسبه، المدافع عن رسول الله ﷺ عمه أبو طالب الذي لم يقبل ضيماً في شخص وحيد الدنيا في عليا المكارم سيدنا محمد الأمين ﷺ.

مبينة أنه كان يقوي عزيمته، ويرد عنه سفه السفهاء، وعتو الطغاة والفجار، ولا سيما بفقدهما توالت عليه ﷺ أنواعاً مريرةً من المحن كالحصار الاقتصادي، والمقاطعة الصارمة، والإجاعة المميتة ثلاث سنين، بين البؤس والحرمان وأنين الأطفال ودموع النساء، فكانت تلك الفترة أشد إيلاماً ومضاضةً وقسوة من سنى يوسف عليه السلام، وهنا سمع الأمين الحبيب ﷺ صوت الأمل يجري في آفاق الحياة نغماً نشوان بحب الحق، وصريف أقلام الغيب يجري باستقدام الحبيب إلى سدة التشريف الأعظم والتكريم الأكرم بأجل ماشُرف به المشرّفون ونزل الأمين جبريل عليه السلام سفيراً إلى الحبيب يحمل إليه رسالة الدعوة الطلبية الحفية المباركة، فأسرى الله تعالى بعبده محمداً ﷺ، وكان هو سبحانه وتعالى الذي أخذ بيد الحبيب فأبلغه منازل القرب كما شاء، وأحله مكانة لا مطمع لمخلوق فيها بل فوقها كما أراد عز شأنه،

وأكدت فضيلتها أن المولى عز وجل أراه من آياته وعجائب ملكه وملكوته ما لم يره أحداً من خلقه، وعلمه مالم يعلم، وزاده رفعة وشرفاً، وأعطاه لنفسه وأمته ما أرضى فؤاده وأثلج قلبه وبلّج بأنوار المعارف الخاصة روحه، وجعله أعلم العالمين بجلال الله وعظمة سلطانه، وخصه من الحفاوة والحباء مالاتستطيع الأقلام تسطيره، فهدى به وهدى له وجعل من لدنه سلطاناً نصيراً.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الرحلة كانت في حقيقتها ومقاصدها صورة جامعة للقدوة في العلم والمعرفة، والعمل لإصلاح الحياة، وبشرى بانقضاء عهد البلاء والمحن، وابتداء عهد البناء والمعرفة وتحقيقاً لخلافة الأمة التي يربيها نبي الإسلام ﷺ بعقيدته وتعبداته وشرائعه وأحكامه وآدابه ونظمه؛ لتقيم من كل هذا بناءً شامخاً تأوي إليه الإنسانية جمعاء إخوة متحابين لتكون خير أمة أخرجت من ضمير الغيب للناس.

وفي السياق ذاته، أكدت الدكتورة حياة العيسوي أن الله سبحانه وتعالى حينما أمر سيدنا محمد ﷺ أن يجهر بدعوته عاداه القوم؛ إلا أن هذا العداء لم يمنع تسرب هدي الإيمان إلى نفوس كثير من الناس من عشيرته الأقربين. وكان سيدنا محمد ﷺ في حاجة مادية إلى أن يحمى حمايتين: حماية خارجية؛ من الكفار في الخارج، وهذه الحماية متمثلة في أبي طالب. وحماية داخلية: في البيت ساعة راحته وسكونه وآمنه واستقراره، وهذه الحماية متمثلة في أمنا خديجة، رضي الله عنها.

وبيّنت أن الله عز وجل قد هيأ لنصرة ومؤازرة سيدنا محمد ﷺ مصدراً إيمانياً في البيت كان من أمنا خديجة، رضي الله عنها، ومصدراً كفرياً في الخارج كان من عمه أبي طالب.

ولكن الله سبحانه وتعالى شاء أن تتوفى زوجته أمنا خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، في العام الذي توفي فيه عمه أبو طالب. وهنا يفقد سيدنا محمد ﷺ الحماية الداخلية.. السكن الذي كان يأوي إلى عطفه وحبه وحنانه، كما فقد الحماية الخارجية، وعلى الرغم من هذا أخذ النبي محمد ﷺ لينطلق بالدعوة قدر استطاعته، فقام برحلته إلى الطائف، فآذوه، وسلطوا عليه سفهاءهم.

فوقف موقف الضارع إلى الله- سبحانه وتعالى- وشكى إليه ضعف قوته، وقلة حيلته، وهوانه على الناس. إذاً فقد كان حدث الإسراء والمعراج بعد الدعاء نتيجة لجفوة أهل الأرض لرسول الله ﷺ ونتيجة لفقد السكن والحنان.

فالله عز وجل أراد بهذه الرحلة تكريم سيدنا محمد ﷺ وأن يعوضه عما فقد.

زر الذهاب إلى الأعلى