خلال الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر.. د. علي مهدي: المعاملات تظهر أخلاق الناس وسلوكهم ومدى تسمكهم وتطبيقهم لقيم الدين
د. هشام الجنايني: المضاربة ليست مجرد عملية بيع وشراء بل هي عقد يجسد أمانة المتعاملين، ويعكس جانبا مهما من أخلاقيات المعاملات في الإسلام
عقد الجامع الأزهر اليوم الاثنين، اللقاء الأسبوعي للملتقى الفقهي (رؤية معاصرة) تحت عنوان: ” فقه المعاملات: المضاربة.. أركان وأحكام “رؤية فقهية”: بحضور أ.د علي مهدي، أستاذ الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، وأ.د هشام الجنايني، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وأدار الملتقى الإعلامي سمير شهاب، المذيع بالتلفزيون المصري.
في بداية الملتقى قال فضيلة الدكتور علي مهدي إن المولى سبحانه وتعالى حثَّ على كسب المال الحلال، قال تعالى: :لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ”، كما أن العبادات لا تنفصل عن المعاملات، وأن كسب المال ينبغي أن تحفه الأخلاق والقيم التعبدية، كما أن القيمة العليا تتحقق بالمزج بين الأخلاق والمعاملة، يقول النبي ﷺ: “البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقَت بركةُ بيعهما”، مبينًا أن معية الله وتوفيقه تكون مع الصدق والأمانة، قال النبي ﷺ: “أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر، فإذا خانه خرجت من بينهما”، وهو ما يدل عليه من أن البركة والربح ملازمان للصدق، كما روي عن العداء بن خالد رضي الله عنه أن النبي ﷺ كتب له: “هذا ما اشترى محمد رسول الله من العداء بن خالد، بيع المسلم المسلم، لا داءَ ولا خَبَثَةَ ولا غائلة”، تأكيدا لضرورة خلو السلعة من العيوب الخفية أو الغش، وهو أول قانوني مدني وضع في البيوع، ولو التزم به الناس لانتفت الخلافات في البيوع ولأصبح كل طرف يأخذ حقه على النحو الذي يرضي المولى سبحانه وتعالى.
وأشار فضيلة الدكتور علي مهدي، إلى أن المعاملات في واقعنا المعاصر تحولت في كثير من الأحيان إلى ميدان للمغالبة؛ حيث يسعى البائع إلى التغلب على المشتري، ويحرص المشتري على الحصول على السلعة بأقل ثمن دون اعتبار للقيم، مع أن حقيقة الدين تظهر في المعاملة، وهو ما يظهر من موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جاءه رجلان يشهدان، فسأل عنهما فلم يجد من يعرف صدقهما في المعاملة، فقال: “هل عاملتهما بالدراهم والدنانير؟ هل جاورتهما؟ هل سافرت معهما؟” فلما كانت الإجابة بالنفي، قال: “إنك لا تعرفهما”، في إشارة إلى أن معدن الإنسان يظهر في المعاملة، وأنها المعيار الحقيقي للأخلاق، وهذا تأكيد على أن الدين المعاملة، فمن خلال المعاملات تظهر أخلاق الناس وسلوكهم، ومدى تسمكهم وتطبيقهم لقيم الدين، وهذا ما يظهر بوضوح في قصة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الرجلان الذي استشهد بهم الرجل لحق له.
وأوضح فضيلة الدكتور علي مهدي، أن المضاربة هي أن يدفع رجل ماله لآخر ليتاجر فيه على أن يكون الربح بينهما بنسبة متفق عليها، وهي جائزة باتفاق الفقهاء، مستدلين بقول الله تعالى: “وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ” وقوله تعالى: “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ”، وقد عمل بها الصحابة رضوان الله عليهم، وهي من المعاملات التي تظهر سماحة الشريعة الإسلامية وحرصها على إباحة كسب المال الحلال في إطار من القيم والأخلاق.
من جانبه، أوضح فضيلة الدكتور هشام الجنانيني أن المضاربة ليست مجرد عملية بيع وشراء، بل هي عقد يجسد أمانة المتعاملين وثقتهم المتبادلة، ويعكس جانبا مهما من أخلاقيات المعاملات في الإسلام، مبينا أن هذا العقد يقوم على مجموعة من الأركان والأسس التي تضبطه وتحقق مقاصده، وأول هذه الأركان هما العاقدان: رب المال، وهو صاحب رأس المال، والمضارب، وهو العامل الذي يتولى تشغيل هذا المال وتنميته، أما الركن الثاني يتمثل في الصيغة، وهي الإيجاب والقبول الذي يبرم به العقد، سواء كان ذلك كتابة أو قولا، بما يوضح حقوق الطرفين والتزاماتهما، أما الركن الثالث فهو رأس المال، ويشترط أن يكون معلوما ومحددا حتى لا يقع نزاع، في حين يتمثل الركن الرابع في العمل، وهو الجهد الذي يبذله المضارب في إدارة المال واستثماره وفق ما تم الاتفاق عليه، والركن الخامس هو الربح، ويجب أن يكون معلوم النسبة بين الطرفين، لا مبلغا مقطوعا، تحقيقا للعدل ومنعا للغرر، كما يجب أن تكون هذه النسبة على الربح وليس على أصل المال، مشيرا إلى أن نجاح عقد المضاربة لا يقوم فقط على استيفاء هذه الأركان، بل يعتمد كذلك على الصدق والشفافية وحسن الإدارة.
وأضاف فضيلة الدكتور هشام الجنايني أن استحقاق الربح في عقد المضاربة يقوم على أساس يراعي طبيعة العلاقة بين الطرفين؛ فرب المال يستحق نصيبه من الربح لكونه مالكا للمال ويتحمل تبعة خسارته إن وقعت، وهو ما يعبر عنه بقاعدة “الغنم بالغرم”، أي أن من له حق المكسب فعليه احتمال الخسارة، أما العامل (المضارب) فيستحق نصيبه من الربح مقابل ما يبذله من جهد وعمل وخبرة في إدارة المال وتنميته، ولا يتحمل خسارة رأس المال ما لم يكن هناك تعد أو تقصير، لأنه في هذه الحالة يكون قد خسر جهده ووقته، وهما في ذاتهما خسارة معتبرة، وهو ما يعني أن سببي الاستحقاق في الشريعة الإسلامية هما: الملك والعمل، مشيرا إلى أنه إذا حدثت خسارة جزئية ثم تحقق ربح، فإن الربح يخصص أولا لجبر الخسارة، ثم يوزع ما تبقى بعد ذلك بين الطرفين وفق النسبة المتفق عليها.