على غرار ما حدث في غزة… الكيان الصهيوني يعمل على تدمير النظام الصحي في لبنان

في مشهد يعيد إلى الأذهان أكثر الفصول قتامة في الحروب الحديثة، تتكشف في جنوب لبنان ملامح أزمة إنسانية متصاعدة؛ حيث لم تعد ساحات القتال مقتصرة على خطوط المواجهة التقليدية، بل امتدت لتطال قلب البنية الصحية التي يفترض أن تكون ملاذًا للحياة لا ساحةً للموت؛ ففي حروب الإبادة التي يشنها الكيان الصهيوني، لم تعد القذائف تسقط فقط على مواقع القتال، بل باتت تُوجَّه إلى المستشفيات، وتطارد سيارات الإسعاف، وتلاحق الأطباء وهم يحاولون انتشال ما تبقى من الأرواح تحت الركام، في صورة تكشف طبيعة حرب تستهدف الإنسان في وجوده لا في موقعه فحسب.

هذه الصورة، المثقلة بالألم في لبنان، لا يمكن فصلها عما شهدته غزة خلال حرب الإبادة؛ حيث تحوّل استهداف المنظومة الصحية إلى نهج متكرر، تُستخدم فيه الذرائع ذاتها وتتحقق عبره النتائج نفسها: تدمير المستشفيات، واستنزاف الطواقم الطبية، وترك المدنيين في مواجهة الموت دون ملاذ. وبين لبنان وغزة يتشكل خيط واحد يربط الجغرافيا بالسياسة، بما يشير إلى أن ما يحدث ليس استثناءً بل نموذج صهيوني يُعاد إنتاجه ضمن سياق أوسع من حروب الإبادة التي تستهدف تفكيك المجتمعات من الداخل، بما يعكس حجم الانحطاط المرتبط بهذه الممارسات وسفك الدماء البريئة.

السياق اللبناني: تصعيد عسكري يتجاوز الأهداف التقليدية للحروب نشر موقع “زمَن” العبري، الثلاثاء 14 أبريل، تقريرًا مطولًا أكد خلاله أن التصعيد الصهيوني في جنوب لبنان، في إطار المواجهة مع حزب الله، لا يقتصر على البنية العسكرية، بل يمتد ليشمل البنية المدنية وعلى رأسها القطاع الصحي. فالمستشفيات لم تعد مجرد منشآت خدمية، بل أصبحت نقاط تماس تتعرض للقصف أو التهديد وتُجبر على الإغلاق أو الإخلاء في ظل تدفق مستمر للجرحى. ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة الحرب عبر توسيع نطاق الاستهداف ليشمل ما كان يُعد خارج دائرة الصراع المباشر.

المنظومة الصحية في لبنان على حافة الانهيار! تشير المعطيات الواردة في التقرير العبري إلى أن النظام الصحي اللبناني يمر بمرحلة حرجة تتسم بتزايد الضغوط وتراجع القدرة على الاستجابة؛ فالمستشفيات، خصوصًا في “صيدا” ومحيطها، لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الجرحى، في ظل نقص حاد في الكوادر والإمدادات، وتظهر ملامح هذا الوضع في عدة صور: إغلاق مستشفيات وعيادات تحت وطأة القصف أو التهديد. إخراج المرضى قبل اكتمال علاجهم، أو الاكتفاء بتقديم الحد الأدنى من الرعاية.

استهداف متكرر لسيارات الإسعاف والمسعفين. استهداف كل من يسعى لإنقاذ المصابين والمرضى.

ضغط هائل يؤدي إلى قرارات طبية اضطرارية.

شهادات ميدانية على إرهاب الصهاينة يقدم التقرير العبري شهادات إنسانية تسلط الضوء على استهداف الطواقم الطبية، من بينها حالات قتل لمسعفين في أثناء أداء مهامهم، وشهادات لمرضى فقدوا وعيهم ثم فقدوا من أنقذهم، إضافة إلى شهادة طبيب عاش تجربة غزة خلال حرب الإبادة، وأكد أن ما يشهده في لبنان يعيد إلى الذاكرة ما جرى هناك، مشيرًا إلى أن المنظومة الصحية باتت على خط المواجهة وتعاني من نقص شديد يهدد بانهيارها.

غزة كنموذج مرجعي: انهيار المنظومة الصحية بالأرقام إذا كانت الحالة اللبنانية تعكس مرحلة ضغط متصاعدة، فإن غزة تمثل النموذج الأكثر اكتمالًا لانهيار المنظومة الصحية. فقد ارتكب الاحتلال أكثر من 15 ألف مجزرة بحق المدنيين، وأسفر ذلك عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني، كان نحو 70% منهم من النساء والأطفال وكبار السن، بما يعكس استهدافًا واسعًا للمدنيين.

وفي قلب هذه الكارثة، استُهدفت المنظومة الصحية مباشرة؛ إذ استُشهد 1,670 من الطواقم الطبية، و139 من الدفاع المدني، كما خرجت 38 مستشفى و82 مركزًا طبيًّا من الخدمة، وتعرضت 144 سيارة إسعاف و54 مركبة إنقاذ وإطفاء للاستهداف، ما أدى إلى شلل شبه كامل في خدمات الطوارئ. كما تم توثيق 7 مقابر جماعية داخل المستشفيات، انتُشل منها 529 شهيدًا، في مشهد يعكس انهيارًا إنسانيًّا غير مسبوق داخل منشآت يفترض أن تكون للحياة.

ولا تزال ذاكرة مستشفى الشفاء شاهدًا على ذلك. وجه الشبه بين جرائم الاحتلال في لبنان وغزة عند المقارنة بين ما يجري في لبنان وما حدث في غزة، يتضح نمط متكرر يبدأ باستهداف جزئي للقطاع الصحي ثم يتطور تدريجيًّا نحو تفكيك شامل: في لبنان: استهداف المسعفين والمستشفيات، وضغط متزايد على النظام الصحي، وصعوبات في الإخلاء والعلاج.

في غزة: النتيجة النهائية تمثلت في انهيار كامل للمنظومة الصحية، وارتفاع الوفيات بسبب غياب العلاج، وتحول المستشفيات إلى ساحات موت. ويحذر مرصد الأزهر من أن هذا التدرج في استهداف البنية الصحية في لبنان قد يمثل المرحلة الأولى من نموذج سبق أن تحقق في غزة، بما يحمله ذلك من مخاطر مضاعفة على المدنيين، عبر إضعاف المجتمع وحرمانه من مقومات الحياة الأساسية.

كما يشير التقرير إلى التباين بين الرواية الصهيونية التي تبرر الاستهداف بادعاءات الاستخدام العسكري، وبين الروايات الحقوقية والميدانية التي تنفي ذلك في ظل غياب أدلة موثقة.

مما سبق، يشدد مرصد الأزهر على أن المعطيات الميدانية في لبنان وما يقابلها من تجربة غزة تؤكد أن استهداف المنظومة الصحية بات نمطًا متكررًا في سياق الصراع، وليس مجرد أحداث منفصلة، في ظل صمت دولي واسع تجاه ما يُوصف بانتهاكات جسيمة.

ويحذر المرصد من أن استمرار هذا النهج دون مساءلة قد يؤدي إلى تكرار سيناريو الانهيار الصحي الكامل، بما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على المدنيين والبنية المجتمعية في لبنان.

زر الذهاب إلى الأعلى