الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: فقه المعاملات والشركات ركيزة أساسية في بناء المجتمعات واستقرارها

عقد الجامع الأزهر، مساء أمس الاثنين، الملتقى الفقهي، لمناقشة موضوع: «فقه المعاملات.. الشركات وبناء المجتمعات “رؤية فقهية”»، وذلك بمشاركة الدكتور عبد الله النجار، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وأ.د. أحمد مصطفى معوض، أستاذ الفقه المقارن المساعد بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، فيما أدار اللقاء الإعلامي سمير شهاب، بالتلفزيون المصري، وذلك تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.

قال الدكتور عبد الله النجار إن المقاصد التشريعية المرجوة من نظام الشركات تهدف في مقامها الأول إلى تجميع الجهود والأموال لتحويلها إلى مشروعات تنموية كبرى تتيح فرص العمل وتسهم في عمارة الأرض. وأوضح أن الشركات في الإسلام تتنوع بين شركات أموال تهدف إلى استثمار المدخرات، وشركات تقوم على الجهد البشري والعمل، مشيرًا إلى أن العمل قيمة بشرية خلاقة أنعم الله بها على الإنسان، وأن كل جهد يبذله الإنسان، حتى البسيط منه، له مردود إيجابي في تنظيف الحياة وحماية الصحة العامة وإضفاء لمسة جمالية على البيئة.

وأشار الدكتور عبد الله النجار إلى أن نظام «المضاربة» يجسد التكامل بين المال والخبرة، حيث يقدم طرف المال ويقدم الآخر الفكر والإدارة، مما يضمن تداول الأموال وعدم ركودها. وأكد أن السعي في مناكب الأرض واستثمار الطاقات البشرية والمادية هو امتثال للتوجيه الإلهي بعمارة الكون، لافتًا إلى أن الحركة والعمل هما المصدر الحقيقي للنماء، بينما يؤدي الركود إلى توقف أجهزة البناء في المجتمع، وهو ما جعل الشريعة تفتح آفاقًا واسعة للشركات التي تخدم الفرد والمجتمع على حد سواء.

وأضاف الدكتور عبد الله النجار أن الشركات الاستثمارية كالمزارعة والمساقاة تسهم في تحويل الأرض الموات إلى جنات مثمرة، مما يحقق الأمن الغذائي ويوفر سبل العيش الكريم للعمال والخبراء. وأوضح أن هذه المعاملات ليست مجرد تبادل للمصالح المادية، بل هي عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله من خلال إحياء الأرض ونفع الناس، مؤكدًا أن القوة الاقتصادية للأمة تبدأ من وعي أفرادها بقدسية العمل وقدرته على تحويل الموارد المتاحة إلى قيم مضافة تنعكس آثارها على استقرار الدول وازدهارها.

من جانبه، أوضح الدكتور أحمد مصطفى معوض أن الإسلام أقام توازنًا دقيقًا في حياة الإنسان بين العبادة والعمل، وبين الدنيا والدين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾، حيث قرن الله عز وجل بين قيام الليل والضرب في الأرض لطلب الرزق. وأشار إلى أن الصحابة الكرام كانوا أسياد الدنيا بجمعهم بين الانشغال بالعبادة ليلًا والاجتهاد في التجارة والزراعة نهارًا، متمثلين قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة».

وأكد الدكتور أحمد مصطفى معوض أن النبي ﷺ وضع الأسس الأخلاقية للمعاملات المالية بفعله قبل قوله، مستحضرًا شهادة السائب بن أبي السائب في حق النبي ﷺ حين قال له: «كنت شريكي في الجاهلية، فكنت لا تداري ولا تماري»، وهي شهادة تؤكد على الصدق والأمانة والبعد عن المماطلة والغش. وأوضح أن الفقراء في الفقه الإسلامي فرقوا بين شركات «الملك» التي تثبت اضطرارًا كالميراث، وبين شركات «العقد» التي تقوم على إرادة الشركاء وتوافقهم، سواء كانت قائمة على المال أو العمل أو كليهما.

ولفت الدكتور أحمد مصطفى معوض إلى أن شركة «المضاربة» أو «القراض» حظيت بإجماع العلماء على مشروعيتها، وهي تقوم على دفع المال من طرف لخبير يحسن تصريف الأموال وتسويق السلع، مما يتيح لأصحاب الأموال غير القادرين على العمل استثمار أموالهم، ويفتح للأكفاء من ذوي الخبرة أبواب الرزق. وأكد أن هذه المنظومة الفقهية تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، وتجعل من النشاط الاقتصادي وسيلة لتحقيق المقاصد الشرعية في حفظ المال وتنمية المجتمعات.

وفي ختام اللقاء، أكد الإعلامي سمير شهاب، بالتلفزيون المصري، أن فقه المعاملات يمثل الجانب العملي والواقعي للشريعة الإسلامية في تنظيم حياة الناس وضبط علاقاتهم المالية. وأشار إلى أن الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر يحرص على تقديم رؤية فقهية معاصرة تعالج قضايا الاستثمار والشركات بأسلوب يجمع بين التأصيل الشرعي والواقع الاقتصادي، مؤكدًا أن الالتزام بالأخلاق المهنية والضوابط الفقهية في العقود هو الضمانة الحقيقية لاستقرار المعاملات ونمو المجتمعات بعيدًا عن المنازعات.

زر الذهاب إلى الأعلى