مرصد الأزهر: مؤشرات الإرهاب في غرب إفريقيا تتراجع كميًا وتزداد فتكًا خلال أبريل 2026
أصدر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف قراءة تحليلية مفصلة للمشهد الأمني في منطقة غرب إفريقيا خلال شهر أبريل 2026، مستندًا إلى مقارنة إحصائية دقيقة مع مؤشرات شهر مارس الماضي. وتكشف القراءة عن تحولات تكتيكية لافتة في نمط العمليات الإرهابية وفي المقابل استراتيجيات المواجهة العسكرية، مبرزةً تداخل الأبعاد الأمنية والجغرافية في تحديد ملامح الاستقرار الإقليمي.
تحول كمي في مؤشرات العنف وبنية المواجهة العسكرية
تشير بيانات المرصد إلى تراجع ملحوظ في التقييم الكمي العام للنشاط الإرهابي بـ (غرب إفريقيا) خلال شهر أبريل؛ حيث انخفض عدد العمليات الإرهابية بنسبة 23.8% (مسجلة 32 عملية مقارنة بـ 42 في مارس).
وانعكس هذا الانخفاض إيجابًا على الحصيلة البشرية، إذ انخفض عدد الضحايا بنسبة 43.7% (من 467 إلى 263 ضحية)، والمصابين بنسبة 63.1% (من 141 إلى 52 مصابًا).
كما تراجعت حالات الاختطاف بنسبة بلغت نحو 82.4% (من 308 إلى 54 حالة فقط)، مما يعكس تضييقًا نسبيًا على شبكات التمويل والابتزاز وتحسنًا في الاستجابة الأمنية السريعة.
وعلى الجانب العسكري المضاد، سجلت الإحصاءات تراجعًا في قتلى العناصر الإرهابية بنسبة 28.5% (من 351 إلى 251 عنصرًا)، مع غياب تام لمؤشرات الاعتقال أو الاستسلام.
ويحلل المرصد هذا المعطى باعتباره تحولًا في العقيدة القتالية الميدانية نحو “الضربات الاستباقية السريعة والاشتباكات المباشرة”، عوضًا عن عمليات التفكيك والاحتواء الطويل، مِمَّا يبرهن على أن المشهد الأمني لا يزال يتسم بالسيولة ولا يعكس استقرارًا كاملًا.
نيجيريا: ثبات في العمليات وتصاعد في دموية الهجمات
ووفقًا للتحليل الإحصائي، واصلت نيجيريا صدارتها للمشهد المأساوي في المنطقة بثبات عدد العمليات عند 26 عملية خلال شهري مارس وأبريل. ورغم هذا الثبات العددي، إلا أن مستوى الفتك والعنف شهد قفزة نوعية؛ إذ ارتفع عدد الضحايا بنسبة 28.8% (228 قتيلًا بدلاً من 177 في مارس)، في حين انخفض عدد المصابين إلى 34 مصابًا.
ويرى المرصد أن هذه الأرقام تعني صراحةً اعتماد التنظيمات المسلحة هناك استراتيجية “الهجمات الأكثر دموية” لإيقاع أكبر عدد من القتلى في أقل وقت ممكن لإحداث صدمة سياسية ونفسية.
في المقابل، نجحت المقاربات الأمنية في خفض حالات الاختطاف بنسبة تجاوزت 84% (لتستقر عند 48 حالة)، مما يفيد بتراجع شبكات الابتزاز، بينما يشير انخفاض قتلى الإرهابيين (من 216 إلى 99 عنصرًا) إلى تحول المسلحين إلى أساليب الكر والفر وتجنب المواجهة الجبهوية المباشرة مع الجيش النيجيري.
مالي: محاولات التمدد الجغرافي وبناء التحالفات الميدانية
في الوقت نفسه، شهدت مالي تصاعدًا مقلقًا يعكس عودة الجماعات المسلحة للتحرك بجرأة أكبر؛ حيث قفزت العمليات الإرهابية من عملية واحدة في مارس إلى 5 عمليات في أبريل، وصاحب ذلك ارتفاع في عدد الضحايا إلى 7 قتلى وسقوط 18 مصابًا.
ويحذر مرصد الأزهر من خطورة المؤشرات الحالية التي تؤكد سعي التنظيمات الإرهابية في مالي لاستغلال الثغرات الأمنية في المناطق الحدودية، ومحاولتها بناء تفاهمات وتحالفات تكتيكية مع بعض “الجماعات الانفصالية”.
وتهدف هذه التحالفات المقلقة إلى فرض واقع ميداني جديد يرتكز على السيطرة الجغرافية وإضعاف هيبة وسلطة الدولة المركزية. ومع ذلك، لم تتوقف الضغوط العسكرية للجيش المالي، حيث ارتفع عدد قتلى التنظيمات من 52 إلى 60 عنصرًا لإحباط مخططات التمدد.
بوركينا فاسو والنيجر: نجاح الضربات الاستباقية والاحتواء الاستخباراتي
على نقيض المشهد في مالي ونيجيريا، سجلت بوركينا فاسو تراجعًا حادًا وحاسمًا في النشاط الإرهابي بنسبة 85.7% (منخفضة من 7 عمليات إلى عملية واحدة فقط)، وانحسرت أعداد الضحايا من 203 إلى 28 قتيلًا.
ويعزو المرصد هذا التراجع البارز إلى تصاعد الضغط العسكري المركز وتصفية 57 عنصرًا مسلحًا من التنظيمات المرتبطة بالقاعدة وداعش، وهو ما يمثل نجاحًا هائلًا للضربات الاستباقية وتقليصًا لقدرات العدو الهجومية.
أما في النيجر، فقد تحقق تحول استراتيجي لافت باختفاء العمليات الإرهابية والخسائر البشرية تمامًا (صفر عملية وصفر قتيل مقارنة بـ 7 عمليات في مارس)، وهو ما يحسب لنجاح الأجهزة الاستخباراتية والأمنية في احتواء التهديدات وتفكيك الخلايا قبل تحركها. غير أن رصد 6 حالات اختطاف يؤكد تحول الإرهابيين إلى تكتيكات منخفضة الاحتكاك المباشر لضمان البقاء، وهو ما تفسره أيضًا قلة قتلى التنظيمات (35 عنصرًا مقارنة بـ 83 في مارس) نتيجة غياب المواجهات المباشرة.
وتؤكد التطورات الميدانية الممتدة بين شهري مارس وأبريل 2026 أن المشهد الإرهابي في منطقة غرب إفريقيا يتسم بالسيولة العالية والتحول التكتيكي السريع؛ إذ إن التراجع الكمي في عدد العمليات لا يعني بالضرورة انحسار الخطر أو تراجع التنظيمات، بل لجأت تلك الجماعات إلى تقليص هجماتها كمًا مقابل تركيزها نوعًا لرفع مستوى الفتك والتأثير النفسي والميداني.
وفي المقابل، يثمن مرصد الأزهر لمكافحة التطرف التطور الملحوظ في أداء الأجهزة الأمنية والعسكرية لدول المنطقة، لا سيما في مجالات الضربات الاستباقية والاحتواء الاستخباراتي. ويشدد المرصد على أن معركة غرب إفريقيا لم تعد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبحت معركة مركبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية، والاستخباراتية، والسياسية، والتنموية والاجتماعية، مما يتطلب استدامة التنسيق الإقليمي وتجفيف منابع الفكر المتطرف بالتوازي مع الحسم العسكري.