الثانوية الأزهرية بين نقاء العلم وأمانة الأداء بقلم/ أ.د. أحمد الشرقاوي “رئيس قطاع المعاهد الأزهرية”
الحمد لله الذي رفع منار العلم وأعلاه، وأعز من سلك طريقه واتبع هداه، والصلاة والسلام على المبعوث بالحق والهدى، نبينا محمد الذي حذر من الغش والردى، وعلى آله وصحبه ومَن اقتفى الأثر واهتدى، وبعد:
فإن هذه الأيام تطوي صفحاتها متسارعة، لتضع أبناءنا وبناتنا من طلاب الشهادة الثانوية الأزهرية على أعتاب مرحلة فارقة من حياتهم العلمية، أيام قلائل وتُفتح أبواب اللجان، ويبدأ خط الطموح على ورقات الامتحان.
إنها اللحظة التي لا تمثل مجرد اختبار لمعلومات حُفظت، بل هي محكٌّ حقيقي للإرادة، واختبار لصلابة العزيمة، وبداية لرحلة العطاء الأكبر في بناء الوطن.
وإن التوتر الذي قد يصاحب هذه الأيام هو أمر طبيعي، لكنه يجب أن يكون دافعًا للبناء لا معولًا للهدم، فالنجاح ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة كفاح عظيم، كما يقول الشاعر:
بَقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي … وَمَنْ طَلَبَ العُلَا سَهِرَ اللَّيَالِي
وَمَنْ رَامَ العُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ … أَضَاعَ العُمْرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ
إن امتحانات الثانوية الأزهرية ليست مجرد محطة عابرة في مسيرة الطلاب التعليمية، بل هي ميزان عدلٍ وإقامة حق تتجلى فيه القيم والأخلاق، واختبار حقيقي للضمائر الحية قبل العقول الناضجة؛ إذ إن العلم رحمٌ بين أهله، لا يثمر ولا يزكو إلا بصفاء النية وطهر الوسيلة ونقاء المقصد، وإذا ما دُنِّس العلم برذيلة الغش تهاوت صروح المجتمعات، وضاعت بَركة الكسب والعمل؛ فالغش داءٌ عُضال إذا حل بساحة العلم أفسدها، وإذا خالط العقول أهلكها، وهو هدم لبناء الأمة، وتزييف لوعي الأجيال، وصناعة واهية لا تقيم حضارة، ولا تحمي وطنًا.
والغش صناعة المفلسين، وتعدٍّ على حقوق المجتهدين، وهو مخالفة صريحة لقواعد الحق وأنظمة العدل، فضلًا عن أنه يورث الفتنة، وينال من حقوق الآخرين، وينشر الفساد والجهل بين العباد، فكيف لأمةٍ أن تنهض إذا بُنيت نجاحاتها على الزيف والخداع؟! وكيف لجيلٍ أن يقود المسيرة إذا اعتاد اعتلاء القمم بازدراء الذمم؟! إن عاقبة الغش وخيمة على الفرد والمجتمع على حد سواء؛ فهو يمحق البركة من العمر والرزق، ويهز ثقة الأمة في كفاءة أبنائها؛ إذ يتولى غير المؤهل مناصب التوجيه والقيادة، مما يؤدي بالضرورة إلى تراجع العطاء وانحدار الأداء؛ فالغش خِفة وسفه، وهو تصرف ممقوت؛ لما فيه من تغبيش على الحقيقة، وإعاقة لنهضة الأمم، وتزييف الواقع بالباطل، والغش لا يُنتج ثمراً، ولا يبقي في دنيا الناس أثراً.
ولقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء لقطع هذه الآفة وإزالتها، فحذرت من عواقبها المحتومة؛ لما في الغش من خروج عن جادة الصواب، يقول الله تعالى: «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ»، ولا شك أن الغش ظلم صريح؛ ظلم للنفس بتحميلها وزر الحرام، وظلم للزملاء بمكاثرتهم بالباطل، وظلم للمجتمع بتقديم العجز في ثوب الإنجاز، والغش فيه مفارقة لهدي النبي ﷺ؛ إذ رُوي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (رواه مسلم في صحيحه).
من هذا المنطلق، أقول إن عِظم المسؤولية يقع في هذه الأيام على عاتق القائمين على الامتحانات من مراقبين، ومتابعين، ومسؤولي لجان؛ فإنهم ليسوا مجرد مشرفين على أوراق جامدة، بل هم حراس الأمانة، وحماة العدالة، والرقباء على تطبيق مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بين الطلاب، فالتستر على الغش هو عين الخيانة لرسالة العلم، والرحمة بالجاهل تكون بتعليمه وتقويمه، لا بتمكينه وتجهيله؛ لذا وجب على كل مسؤول أن يستشعر عظمة الأمانة، وأن يقف بالمرصاد لكل محاولة تعبث بنزاهة الامتحانات، مستحضرًا قول الله تعالى: «إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ».
ومواجهة هذه الظاهرة السيئة لا تقتصر على جهة دون أخرى، بل هي ملحمة وطنية وتعبدية تتضافر فيها الجهود، وتتكامل فيها العزائم، بدءًا من الأسرة التي يجب أن تربي أبناءها على عزة النفس والقناعة والكفاءة، مرورًا بالمسجد والإعلام، وصولًا إلى المؤسسات التعليمية.
فيجب علينا جميعًا مواجهة الغش باختلاف صوره وتعدد أشكاله، بالأخذ الجاد على أيدي العابثين والمفسدين، التزامًا بأحكام الدين، وصونًا لحقوق المجتهدين ومصالح الناس أجمعين، وامتثالًا مباشرًا للأمر الإلهي في قوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتقوى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ».
وفي الأخير، أتوجه بالنداء إلى طلاب الأزهر الشريف، إليكم يا مَنبت الأمل في غدنا المأمول أقول: اعلموا أن قيمة المرء ما يحسنه من علم وخُلق، لا ما يسطو عليه من جهد غيره، وأن درعكم الحقيقي هو السهر والاجتهاد، وزادكم هو التقوى والاعتماد على رب العباد، فاستعينوا بالله ولا تعجزوا، واعلموا أن وطنكم يترقب منكم الكثير، وينتظر عقولًا واعية تقود قاطرة التطوير والنهضة، فاجعلوا من هذه الاختبارات جسرًا تعبرون به نحو آفاق أرحب من العلم والمعرفة، وثقوا بأن الله لا يضيع أجر الصابرين والمحسنين عملاً، وأن السعي هو واجبنا، أما التوفيق فبيد رب العالمين، وكونوا على يقين أن لكل مجتهد نصيبًا، وأن فجر النجاح لا يلوح إلا بعد ليل طويل من الصبر والمثابرة.
وإنني أتوجه بالدعاء الصادق لقلوبكم الطامحة أن يرزقكم الله سداد الإجابة، وسكينة النفس، وتوفيق الخطى، وأن يحفظ أزهرنا منارة للحق، وموئلًا للعلم، وخلفًا للصدق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.