ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض “موازنة المرأة في التاريخ الإسلامي بين دورها الأسري ومشاركتها المجتمعية والاقتصادية”
أكدت د. منال مصباح، في مستهل طرحها، أن المرأة في التاريخ الإسلامي استطاعت تحقيق توازنٍ فريدٍ وغير مسبوق بين دورها الأساسي كركيزةٍ لبناء الأسرة، وبين مشاركتها الفاعلة في الحياة العامة. وأوضحت أن الاهتمام بالمنزل والتربية لم يكن يوماً عائقاً أمام تميزها العلمي والسياسي والاقتصادي، بل انطلقت صوب التميز من مجتمعٍ كفل وحمى حقوقها المادية والشرعية.
واستعرضت د. منال مصباح الورقة العلمية التي تناولت المكانة الأبرز التي شغلها الدور الأسري في حياة المرأة المسلمة باعتباره الأساس المتين لبناء المجتمع، وتجلى ذلك في ثلاثة أبعاد رئيسة: الأمومة التربوية، عبر إعداد أجيال من القادة والعلماء الأجلاء، ومثال ذلك الدور التاريخي لأم الإمام الشافعي وأم الإمام أحمد بن حنبل ، والإدارة المنزلية، من خلال الإشراف الدقيق على تنظيم الشؤون الداخلية للمنزل وتدبير الموارد الاقتصادية للأسرة بحكمة ، والاستقرار العاطفي؛إذ شَكّلت المرأة السكن والملاذ النفسي، ويبرز هنا النموذج الاستثنائي للسيدة خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها– في دعم وتثبيت الرسول ﷺ.
كما أشارت د. منال مصباح إلى أن الإسلام منح المرأة ذمة مالية مستقلة تماماً عن الرجل منذ قرون طويلة، مما أتاح لها حضوراً اقتصادياً قوياً ومؤثراً من خلال: الذمة المستقلة والأهلية القانونية، بامتلاك الحق الكامل في البيع والشراء والرهن والهبة والتقاضي دون حجر ، والتجارة والاستثمار الحرفي، بإدارة أعمال تجارية واسعة كالسيدة خديجة والسيدة أسماء بنت أبي بكر، بجانب تميز النساء في صناعات الغزل والنسيج والعطور والطبابة ، والأوقاف الخيرية والتنموية، بتأسيس منشآت تخدم الأمة، وأبرز مثال تاريخي لذلك هو السيدة فاطمة الفهرية التي أنشأت جامعة القرويين ؛ لتكون أقدم مركز تعليمي مستمر في العالم.
وأضافت: لم تكن المرأة المسلمة معزولة عن قضايا مجتمعها، بل ساهمت بامتياز في توجيه الأحداث وصياغة المعرفة؛ عبر الرواية والتعليم الفقهي من خلال تبوؤ السيدة عائشة بنت أبي بكر –رضي الله عنهما – مكانة رفيعة كأحد كبار فقهاء الصحابة ومرجعاً في الحديث والسياسة؛ والحسبة والإدارة العامة بتعيين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– للسيدة “الشِّفاء بنت عبد الله” واعيةً ومراقبةً على سوق المدينة ، والمشورة السياسية والعسكرية التي تجلت في الأخذ بمشورة أم المؤمنين السيدة أم سلمة –رضي الله عنها– في صلح الحديبية؛ مما أنقذ الموقف في لحظة حرجة؛ إلى جانب المشاركة العسكرية التضامنية في الغزوات عبر التمريض وسقاية الجرحى، وحمل السلاح كصنيع نسيبة بنت كعب.
وفي تحليلها لعوامل نجاح هذا التوازن، شددت رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الهندسة على أن التجربة استندت إلى منظومة تشريعية واجتماعية داعمة، تقوم على اعتماد المجتمع الإسلامي على تكامل الأدوار بين الجنسين بدلاً من صراع الإرادات، وحفظ الآداب الإسلامية لكرامة المرأة وحريتها أثناء الحركة في الفضاء العام، ومشاركة الآباء والأزواج في دعم الطموحات العلمية والتجارية للنساء وتوفير البيئة الآمنة.
واختتمت د. منال مصباح طرحها باستعراض الأدلة الشرعية والتطبيقات الفقهية التي شكلت السياق القانوني لحماية حقوق المرأة، ومنها حق الملكية والإرث، قال تعالى: “لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ”،وقوله سبحانه: “لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً”، والتأكيد على أن طلب العلم فريضة دينية للجنسين لقوله ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [رواه ابن ماجه]، وإلزام التشريع للرجل بالنفقة الكاملة، مما وفر للمرأة الأمان المالي للتفرغ لرسالتها أو طموحها دون ضغوط؛ امتثالاً لقوله تعالى: {“لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ” ، وقوله ﷺ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [رواه مسلم].
من جانبها، أكدت د. دينا سامي أن المرأة في التاريخ الإسلامي لم تعش يوماً صراعاً بين بيتها ومجتمعها، بل جمعت بين الدورين بوعيٍ تامٍ وفق ميزان دقيق من الأولويات والاستشعار العالي للمسؤولية. وحذرت من أن اضطراب التوازن بين العطاء الأسري والعمل المجتمعي يضعف التربية الإيمانية والأخلاقية للأبناء، ويوسع الفجوة العاطفية بين أفراد الأسرة، مما يؤدي لزيادة المشكلات الزوجية وارتفاع معدلات التفكك الأسري.
وشددت د. دينا سامي على أهمية إدراك المرأة بأن الأسرة هي اللبنة الأولى لبناء الأمة، وأن تنظيم الوقت، ووضع حدود فاصلة لاستخدام الأجهزة الرقمية، وتخصيص ساعات للعمل وأخرى للأسرة، هو السبيل الأوحد لتحقيق التوازن المنشود. موضحة أن الإسلام جاء بمنهج فريد لم يحصر رسالة المرأة في حدود بيتها، ولم يرضَ لمشاركتها المجتمعية أن تهدم أسرتها، بل أسس حياتها على التوازن؛ فأوكل إليها مهمة التربية والرعاية مستثمراً ما أودعه الله فيها من خصائص نفسية وعاطفية كالرحمة والصبر والقدرة على الاحتواء، وفي الوقت ذاته فتح لها أبواب التميز العلمي والاقتصادي والاجتماعي بما يحفظ كرامتها.
وأضافت أن التاريخ الإسلامي يبرهن على حضور المرأة الفاعل؛ فقد كانت متعلمة ومعلمة ومفتية وطبيبة وتاجرة، دون أن يفقدها ذلك مكانتها الأسرية، ولم ينظر الإسلام لهذه الأدوار كمسارات متعارضة، بل كأدوار متكاملة يُقدّم فيها الواجب الأهم عند التعارض. واستدلت بالحديث النبوي الشريف: «وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا»، مؤكدة أنه تبيان لعظمة دورها الأسري ومحوريته، وليس إلغاءً لعموم أدوارها الأخرى.
واستعرضت الدكتورة دينا سامي نموذجية رائدتين تجسد فيهما هذا التوازن بامتياز:
أم المؤمنين السيدة أم سلمة (رضي الله عنها): جسدت صورة المرأة العاقلة الحكيمة؛ فكانت من كبار فقيهات الصحابة، وروت مئات الأحاديث، ولجأ إليها الصحابة للاستفتاء، كما سطر التاريخ موقفها الخالد في “صلح الحديبية” عندما أشارت على النبي ﷺ بمشورة حكيمة أنهت أزمة كادت تقع بين المسلمين، فكانت نعم المستشارة السياسية ونعم الأم القائمة على بيت النبوة بإتقان.
السيدة الخيزران (عصر ما بعد النبوة): زوجة الخليفة المهدي وأم الخليفتين الهادي وهارون الرشيد؛ عُرفت برجاحة عقلها، وأسهمت في إدارة شؤون الدولة وتقديم المشورة السياسية، بجانب رعايتها للعلماء والمحتاجين، فجمعت ببراعة بين دور الأم التي خرج من بيتها قادة الأمة، ودورها الاجتماعي والسياسي النافذ.
وفي قراءتها للواقع المعاصر، أشارت مدرس التفسير وعلوم القرآن إلى أن الثورة الرقمية، رغم ما أتاحته من تيسير في التعليم والعمل عن بُعد، فرضت تحديات معقدة على المرأة؛ أبرزها: تضخم ساعات استخدام الهواتف الذكية، صعوبة الفصل بين وقت المهنة ووقت الأسرة، والضغوط النفسية المنبعثة من المقارنات المستمرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما تسبب في ضعف الحوار وغياب التفاهم بين الآباء والأبناء.
واختتمت د. دينا سامي حديثها بوضع “روشتة” عملية للمرأة المعاصرة تقوم على استحضار النية الصالحة، واعتبار القيام بالحقوق الأسرية عبادةً تؤجر عليها المرأة كأعمال الخير المجتمعية تماماً، وتخصيص وقت يومي نقي بعيداً عن الأجهزة الرقمية لفتح قنوات الحوار الفعّال مع الأبناء وتنمية جانبهم الإيماني والأخلاقي.
وأكدت د. حياة العيسوي أن كل نموذج تاريخي يلمس حاجة ملحة للمرأة اليوم، وتتحدد الأهمية النسبية لكل منها بناءً على زاوية الرؤية والتحدي المراد معالجته عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا: نموذج “الشِّفاء بنت عبد الله” (الإدارة والوعي المعرفي والرقمي): ويُعد هذا النموذج الأقرب للمرأة التي تشغل وظائف اليوم في قطاعات الشركات والتعليم والإدارة العامة، وبرهنت السيدة “الشِّفاء” على أن انخراط المرأة في الفضاء العام لا يعني ذوبان هويتها أو التقصير في مسؤولياتها الأسرية، بل يعني تقديم “قيمة مضافة” للمجتمع عبر ذكائها وعلمها. ويتجلى هذا النموذج حديثاً في تمكين المرأة بمجالات تكنولوجيا المعلومات والتخطيط، مع الحفاظ على استقرار بيتها من خلال إتقان “تنظيم الوقت” و”وضوح الهدف”.
ثانيًا: نموذج “رَيطة بنت عبد الله” (المرونة الاقتصادية والعمل الحر): ويمثل الحل السحري لأكبر تحدٍ تواجهه المرأة المعاصرة، وهو “صراع الوقت” والمفاضلة الصعبة بين الوجود المنزلي والاضطرار للنزول إلى العمل؛ فكانت السيدة “ريطة” تعمل وتنتج من داخل بيتها بمهارة يدها، وهو مسار يمنح المرأة اليوم استقلالاً مالياً وقدرة على مساندة أسرتها، مع مرونة عالية تتيح لها التحكم في جدولها الزمني ومنح أطفالها الرعاية الكاملة دون الحاجة لـ “الاضطرار” للغياب عن المنزل لساعات طويلة.
ثالثًا: نموذج “فاطمة الفهرية” (الاستدامة والمسؤولية المجتمعية): النموذج الذي يجسد طموح المرأة التي تجاوزت مرحلة تأمين الكسب اليومي، وتسعى لترك أثر حضاري مستدام في أمتها، حيث يرسخ هذا النموذج وعياً بأن المال في يد المرأة ليس مجرد أداة للاستهلاك والرفاهية والمظاهر، بل هو قوة تنموية قادرة على صناعة التغيير الاجتماعي وبناء مؤسسات تعليمية وخيرية تخدم الأجيال المتعاقبة.
وخلصت الدكتورة حياة حسين العيسوي إلى أن النموذج الأقرب والأكثر عمليّة لغالبية النساء اليوم يكمن في “دمج ذكاء الشفاء الإداري بمرونة ريطة الاقتصادية”. وشددت على أن المرأة المعاصرة ليست بحاجة إلى “استنساخ” دور الرجل في سوق العمل، بل هي بحاجة إلى “تصميم أسلوب حياة خاص بها”؛ يُعلي من شأن بيتها وأمومتها باعتبارهما الثغر الأهم واللبنة الأولى لبناء الإنسان، وفي الوقت ذاته يستثمر مهاراتها وعلمها لخدمة مجتمعها وتحقيق ذاتها معرفياً ومالياً، مستعينةً بالأدوات الحديثة كـ “العمل عن بُعد” و”التجارة الإلكترونية” في إطار الضوابط التي ترضي الله عز وجل.