ملتقى المرأة.. الجامع الأزهر يستعرض منهج الإسلام في محاربة التفكير السلبي وبناء “العقول البصيرة”
د. لمياء متولي: العلم والاستعانة بالله هما خط الدفاع الأول ضد الانهزام الداخلي
د. ريهام صفوت: المناعة الإيمانية والنفسية للمرأة.. حجر الزاوية في استقرار الأسرة ومواجهة الضغوط
د. حياة العيسوي: الإيجابية روح الإسلام وسر قوة الأمة وطريق النصر والتمكين
نظّم الجامع الأزهر الشريف ملتقاه الأسبوعي للمرأة، ضمن سلسلة البرامج التثقيفية والتوعوية الموجهة للمرأة والأسرة المصرية، تحت عنوان: “الإسلام ومحاربة التفكير السلبي”، وسلط الضوء على المنهج الإسلامي المتكامل في تحرير العقل من مشاعر اليأس والعجز، وتحويله إلى طاقة إيجابية بناءة تخدم الفرد والمجتمع.”
أكدت الدكتورة لمياء محمد متولي، أستاذ ورئيس قسم الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة، خلال كلمتها أن العقل هو أداة التفكير الأساسية، وأن “العقول البصيرة” هي تلك التي نضجت وتربت على تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة حتى أثمرت تفكيرًا إيجابيًا نفع صاحبه وأسرته ومجتمعه.
وأوضحت د. لمياء أن العقول الإيمانية الناضجة تبني ولا تهدم، وتُعين ولا تُعيق، ولا تعرف لعن الظروف أو الاستسلام للأفكار السلبية التي تجر صاحبها إلى العجز والشكوى. وأشارت إلى أن القرآن الكريم يحفل بأوامر تعزز التفكير البنّاء وتحذر من المسارات السلبية، مؤكدة أن “العلم” هو أول وأهم أسس التفكير الإيجابي، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وأضافت أن السنة النبوية قدمت منهجًا عمليًا لصناعة التفكير الإيجابي وتحرير النفس من الانهزام الداخلي؛ حيث كان النبي ﷺ يربي أصحابه على قوة الإرادة وسلامة الباطن، موجّهًا إياهم عند مواجهة الشدائد والمواقف المحبطة إلى الاستعاذة بالله من العجز والكسل والهم والحزن، لترسيخ مبدأ الاستعانة بالله والاعتماد عليه.
من جانبها، أوضحت الدكتورة ريهام محمد صفوت، المدرس بقسم العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الشريف، أن الإسلام ينظر للإنسان بأسلوب شامل يجمع بين العقل والقلب والروح، وأكدت أن معالجة الإسلام للتفكير السلبي لا تقف عند حدود التفاؤل المجرد، بل تأتي ضمن إعادة بناء رؤية الإنسان لنفسه وللحياة والمستقبل، وترسيخ المفاهيم العقدية كالإيمان بالحكمة الإلهية، والتوكل، وحسن الظن بالله.
وبيّنت د. ريهام أن الإسلام لا يحارب المشاعر الإنسانية السلبية بذاتها، وإنما يحارب تحولها إلى يأس ممرض أو عجز أو سوء ظن بالخالق. ولذلك، تتجاوز الرؤية الإسلامية المفهوم السطحي لـ “التفكير الإيجابي” إلى مفهوم أكثر عمقًا وهو “التفكير الإيماني المتزن”؛ وهو التفكير الذي يعترف بالواقع دون تهويل، ويقرأ المحن دون يأس، ويأخذ بالأسباب مع كامل التوكل على الله.
واختتمت د. ريهام كلمتها بالإشارة إلى أن هذا الطرح يمثل أساسًا تربويًا ونفسيًا بالغ الأهمية لبناء امرأة وأم أكثر اتزانًا وقدرة على مواجهة ضغوط الحياة المختلفة، ونقل هذه المناعة النفسية والإيمانية إلى أبنائها وبيتها.
من جانبها، أكدت الدكتورة حياة حسين العيسوي، الباحثة بالجامع الأزهر، أن الإسلام رفض التفكير السلبي والتشاؤم واعتبرهما مدخلاً لليأس وقصر النظر، مبيّنة أن الشريعة عفت عن الخطرات والأفكار العابرة ما لم يسترسل معها الإنسان.
وأوضحت د. حياة أن علاج التفكير السلبي يعتمد على ثلاثة محاور رئيسية: الاستعاذة والإعراض لقطع حبل الوساوس فوراً، وحسن الظن والتوكل باليقين في أن قدر الله كله خير، والاشتغال بالنافع عبر شغل الوقت بالعبادة والعمل الصالح والابتعاد عن البيئات المحبطة.
وأشارت الباحثة بالأزهر الشريف إلى أن الإيجابية هي روح الإسلام وسر قوة الأمة وطريق التمكين، مشددة على أن النبي ﷺ كان النموذج الأسمى في الإيجابية والتفاؤل؛ فلم يعرف اليأس طريقه لقلبه قط، وضرب أروع الأمثلة في الحث على العمل حتى في أصعب الظروف حين قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها».
واختتمت د. حياة كلمتها بتحديد صفات “المسلم الإيجابي”، مؤكدة أنه مستثمر لطاقاته، مسارع في الخيرات، حسن التعامل والأخلاق، واصل لرحمه ورفيق بأهله، إضافة إلى اهتمامه بقوته وصحته ومظهره؛ ليكون عنصراً نافعاً وفاعلاً في بيته ومجتمعه، ويجمع بين العمل لدنياه وآخرته بثبات وأمل.
شهد الملتقى في ختامه فتح باب النقاش مع الحاضرات، اللاتي أبدين تفاعلًا كبيرًا مع المحاور المطروحة، مشيداتٍ بالدور التوعوي والتربوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر الشريف في دعم الأسرة المصرية وترسيخ الفكر الإيماني المعتدل.
يأتي ذلك وفق توجيهات فضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب شيخ الأزهر، وباعتماد فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني وكيل الأزهر، وبإشراف الدكتور عبد المنعم فؤاد المشرف العام على الأروقة الأزهرية، ود. هاني عودة مدير عام الجامع الأزهر.