من حائط الصواريخ إلى باب المندب.. شهادات “مقاتلي أكتوبر” عن سنوات رفض الهزيمة وصناعة النصر
أ.ش.أ
لا تزال لحظة السادس من أكتوبر حاضرة في ذاكرة من عاشوها، رغم مرور 53 عاما عليها، لا كصورة في كتاب أو ذكرى عابرة في مناسبة وطنية، وإنما كتفاصيل صغيرة لا تغادر أصحابها؛ صوت طائرات تعبر قناة السويس، ظرف مختوم لا يُفتح إلا في اللحظة الأخيرة، مقاتل ينتظر أمرًا ظل يتدرب عليه لسنوات، وصيحات “الله أكبر” تأتي من بعيد لتعلن أن العلم المصري عاد إلى الضفة الشرقية.
في ذلك اليوم، لم يكن كل مقاتل يعرف الصورة الكاملة لما يجري، ولم يكن يعرف متى تبدأ الحرب أو كيف ستنتهي، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أن سنوات طويلة من التدريب والانتظار والاستعداد قد وصلت إلى لحظتها الحاسمة.
ففي مواقع الدفاع الجوي، كان رجال القوات المسلحة يستعدون لحماية القوات العابرة لقناة السويس، وعلى مسافات بعيدة في البحر الأحمر، كانت المدمرة المصرية “الفاتح” تتجه إلى موقعها في باب المندب، بينما كان طاقمها لا يزال لا يعلم أن المهمة التي ظنها في البداية رحلة صيانة ستصبح جزءًا من واحدة من أهم معارك الحرب.
وبين حائط الصواريخ الذي حمى سماء العبور، وباب المندب الذي خنق أحد أهم طرق إمداد إسرائيل، تتقاطع شهادات مقاتلين عاشوا سنوات الاستنزاف وأكتوبر، وحمل كل منهم من الحرب حكاية مختلفة، لكنهما يتفقان على حقيقة واحدة: أن نصر أكتوبر لم يصنعه السادس من أكتوبر وحده، وإنما صنعته سنوات من الصبر وإعادة البناء والتدريب، ودماء رجال رفضوا أن تنتهي القصة مبكرا، وشعب ظل واقفًا خلف جيشه حتى جاءت اللحظة التي عاد فيها العلم المصري إلى سيناء.


وتكشف شهادتا اللواء أركان حرب مجدي فؤاد محمد صادق، أحد أبطال الدفاع الجوي خلال حرب أكتوبر، واللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق، أحد أبطال القوات البحرية خلال حرب أكتوبر، جانبًا من تلك السنوات، بما حملته من استعداد وعمليات ووقائع عسكرية، وصولًا إلى لحظة عبور القوات المصرية قناة السويس ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية.
وقال اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق، في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، “إن القوات المسلحة المصرية بدأت استعادة زمام المبادرة بعد فترة قصيرة من 1967″، مؤكدًا أن الشعب المصري كان ومازال “القوة والوقود الحقيقي” للقوات المسلحة”.
ويروي الصادق أنه كان خلال حرب 1967 ملازمًا أول على متن المدمرة “الفاتح”، إحدى أكبر المدمرات المصرية، لافتا إلى أن ما حدث لم يدفع المصريين إلى الاستسلام، وإنما فتح مرحلة جديدة من إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد لاستعادة الأرض والكرامة.
ويستعيد الصادق واقعة نقلها إليه أحد أشقائه، عندما عبر قناة السويس من الشرق إلى الغرب، فوجد المدنيين المصريين في انتظاره، يجهزون الطعام للجنود والضباط ويقدمون لهم الدعم والمساند.. ويقول “إن هذه الصورة البسيطة كانت تحمل دلالة كبيرة، إذ لم يتخل الشعب المصري عن جيشه، وإنما احتضن جنوده ووقف إلى جانبهم”.
ولم يتأخر الرد العسكري، إذ يشير إلى أن المدمرة الإسرائيلية “إيلات” تم إغراقها بعد نحو أربعة أشهر فقط من يونيو 1967، كما خاضت القوات الجوية معارك ناجحة، ومنعت قوات الصاعقة القوات الإسرائيلية من التقدم نحو بورسعيد وبورفؤاد.
وأكد أن ما جرى بعد 1967 كان بداية مسار طويل انتهى بانتصار أكتوبر 1973، مشيرا إلى أن القوات المسلحة المصرية خاضت سنوات الاستعداد في ظروف شديدة الصعوبة، وكانت بعض الوحدات البحرية المصرية تعمل بأسلحة تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية.
وأوضح أنه عندما كانوا يطلبون قطع غيار لبعض الوحدات البحرية كان يتم إبلاغهم بأن المصانع التي كانت تنتج هذه القطع قد أغلقت، إلا أن كفاءة الضباط والجنود المصريين مكنت القوات البحرية من تشغيل هذه الوحدات والاستمرار في تنفيذ مهامها، وهي الوحدات نفسها التي شاركت في حرب أكتوبر.
وقال الصادق إنه كان خلال حرب أكتوبر برتبة رائد بحري ومسؤولًا عن مدفعية المدمرة “الفاتح”، التي كانت ضمن قوة بحرية شاركت في إغلاق باب المندب، إلى جانب مدمرات وفرقاطات وغواصات، كانت لكل منها مهمة محددة في إطار الخطة المصرية.
وأشار إلى أن السرية والإخفاء والتمويه كانت من أهم عناصر خطة حرب أكتوبر، لدرجة أن أفراد القوات البحرية أنفسهم لم يكونوا يعلمون أن الحرب ستبدأ في اليوم التالي، مبينا أن المدمرة عندما غادرت موقعها كان الاعتقاد السائد أنها متجهة إلى باكستان لإجراء أعمال صيانة وإصلاح.
وأضاف: أن المدمرة كانت قد توقفت في عدن، كما سبق لها زيارة الصومال في إطار التعاون بين الدول الشقيقة، ثم غادرت ميناء عدن ودخلت البحر، وعندها جمع قائد المدمرة، الضباط في غرفة الطعام، وفتح أمامهم ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وأوضح أن الظرف تضمن أمر القتال وتحديد موقع معين في البحر الأحمر يجب أن تتمركز فيه المدمرة الساعة الـ12 ظهرًا، أي قبل ساعتين من الموعد المحدد لبدء الحرب، وكانت التعليمات تقضي بتدمير أي سفينة إسرائيلية تحاول عبور النقطة المحددة، التي وصفها بأنها من أضيق النقاط في البحر الأحمر.. وأكد أن لحظة إعلان أمر القتال كانت لحظة فرح وفخر كبيرة بين أفراد الطاقم.
وتابع: أن قائد المدمرة كان قد طلب منه، قبل المهمة، مراجعة المدافع والتأكد من جاهزيتها، دون أن يكشف له سبب ذلك، موضحًا أنه نزل بالفعل وأجرى مراجعة شاملة للتسليح، ثم أبلغ القائد بأن كل شيء جاهز.
وقال الصادق “إن المدمرة وصلت إلى موقعها المحدد عند الساعة الـ12 ظهرًا يوم السادس من أكتوبر، وكانت المسافة بينها وبين مصر نحو 1200 ميل بحري، ولم يكن أمام أفراد الطاقم لمعرفة ما يجري في مصر سوى أجهزة الراديو”.
وأشار إلى أنهم فتحوا أجهزة الراديو على الموجة القصيرة لمتابعة أخبار مصر، ليستمعوا إلى بيان يفيد بأن القوات المسلحة رفعت العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس، مؤكدا أن سماع خبر رفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة أحدث حالة من الفرح داخل المدمرة، وردد أفراد الطاقم صيحات “الله أكبر” والنصر، مشيرًا إلى أن هذا الخبر عزز لديهم الشعور بأن مصر في طريقها إلى تحقيق الانتصار.
وأضاف أن القوات البحرية واصلت تنفيذ مهمتها، وتمكنت من إيقاف نحو 199 سفينة وتفتيشها، من خلال إنزال زوارق تحمل مجموعات اقتحام وتفتيش، لمنع أي سفينة من عبور المنطقة.
ونوه إلى أن إغلاق باب المندب حرم إسرائيل من نحو 8.3 مليون طن من البترول، مشددا على أن البترول يمثل عنصرًا أساسيًا في تشغيل الوحدات العسكرية والمدرعات والمعدات، وأن حرمان إسرائيل من هذه الإمدادات أثر على قدرتها العسكرية، فضلًا عن تعطيل حركة الاستيراد والتصدير.
ورأى أن هذا الدور الذي قامت به القوات البحرية لم يحصل على حقه إعلاميًا، مستشهدًا بما جرى خلال لقاء وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر مع الرئيس الراحل أنور السادات، عندما حمل كيسنجر رسالة تطالب بفتح باب المندب.
وأوضح أن القوات البحرية واصلت إغلاق باب المندب لمدة ثلاثة أشهر بعد انتهاء الحرب، ومنعت السفن من عبور المضيق، إلى أن صدرت الأوامر بفتحه بالتزامن مع تطورات المفاوضات ومسار السلام.
وأشار إلى ما أورده المشير الراحل محمد عبد الغني الجمسي في مذكراته عن مفاوضات الكيلو 101، موضحًا أن الجمسي، عقب إحدى جلسات المفاوضات، توجه إلى وزارة الدفاع والتقى المشير أحمد إسماعيل، وأبلغه بأن موضوع باب المندب “مجننهم في إسرائيل”، وأن الجانب الإسرائيلي كان يطلب فتح المضيق حتى تعود حركة الاستيراد والتصدير وتدفق البترول.
وأكد الصادق أن دور القوات البحرية في حرب أكتوبر لم يقتصر على إغلاق باب المندب، وإنما شمل الغواصات والاستطلاع والعمليات الخاصة ومهام أخرى عديدة، مشددًا على أن سجل القوات البحرية خلال تلك الفترة لا يزال يضم قصصًا كثيرة من البطولة والشجاعة.
وتحدث الصادق عن كتاب إسرائيلي بعنوان “المعركة الأخيرة”، والذي أصدره قائد المدمرة الإسرائيلية “إيلات” بناء على طلب أهالي ضحايا المدمرة، موضحًا أن قائد المدمرة الإسرائيلية، الذي أصيب بكسور في العمود الفقري، روى في الكتاب تفاصيل إغراق “إيلات” وما تعرض له طاقمها.
وقال “إن الكتاب يمثل فخرًا لكل مصري، لأنه يوثق من الجانب الإسرائيلي نفسه تفاصيل إغراق المدمرة، وما صاحبه من سقوط ضحايا واستغاثات وطلب وقف القتال لإنقاذ أفراد الطاقم الموجودين في المياه”.
وشدد على أن إغراق “إيلات” يمثل أحد أبرز مظاهر رفض الهزيمة، مشيرًا إلى أن العملية نفذها أبطال مصريون باستخدام لانش مسلح بصاروخين تمكنا من إصابة المدمرة وإغراقها.. كما شدد على أن ما جرى في حرب الاستنزاف وأكتوبر لم يكن مجرد سلسلة من العمليات العسكرية، وإنما كان تعبيرًا عن إرادة مصرية كاملة لرفض الهزيمة واستعادة الأرض والكرامة، مؤكدًا أن الشعب المصري كان الداعم الأول للقوات المسلحة والوقود الذي منحها القدرة على الاستمرار.
ومن جهته.. يقول اللواء أركان حرب مجدي فؤاد محمد صادق، أحد مقاتلي الدفاع الجوي في حرب أكتوبر، إن كتيبته كانت موجودة شرق القناة في منطقة بورفؤاد ضمن تشكيل قطاع بورسعيد، مشيرًا إلى أن القطاع كانت مهمته الأساسية منع أي اعتداءات جوية تستهدف عمق الدولة المصرية أو تحاول مهاجمة حائط الصواريخ والكتائب المنتشرة شرق القناة، سواء من اتجاه الشمال أو الشمال الشرقي.
وأضاف: أن هذه المنطقة كانت من أهم مناطق حائط الصواريخ، إذ أسهمت في منع الطائرات الإسرائيلية من مهاجمة تجمعات القوات أو المعابر التي أقامتها القوات المسلحة المصرية، وكذلك منعها من الوصول إلى عمق الدولة والأهداف الحيوية، وبالتالي عدم تكرار ما قامت به القوات الجوية الإسرائيلية خلال حرب عام 1967.
وأوضح اللواء مجدي صادق أن بناء قدرات الدفاع الجوي المصري مر بمراحل طويلة خلال حرب الاستنزاف، بدأت بتشكيل قوات الدفاع الجوي عام 1968، وصولًا إلى اكتمال حائط الصواريخ عام 1970، مشيرًا إلى أن اختياره للعمل في قوات الدفاع الجوي كان أفضل اختيار في حياته بالقوات المسلحة، وأن أفضل يوم في حياته كان لحظة عبور القوات المسلحة قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973.
وقال: “إن اللحظة التي تلقى فيها أفراد الكتيبة البلاغ عبر وسائل الاتصال الصوتية بضرورة تأمين القوات الجوية أثناء عبورها قناة السويس لتدمير الأهداف الأرضية المخطط لها في سيناء كانت لحظة تاريخية لا يمكن نسيانها، خاصة أن رجال الدفاع الجوي ظلوا لسنوات يستعدون لهذه اللحظة”.
وأضاف: أن القوات الجوية عبرت القناة تحت مظلة دفاع جوي جرى الإعداد لها على مدار سنوات، مؤكدًا أن انتهاء اليوم الأول من القتال وتحقيق قوات الدفاع الجوي نتائج مباشرة في مواجهة الطائرات الإسرائيلية كان من اللحظات التي لا تنسى في حياته.
وشدد اللواء مجدي صادق على أن بطولات قوات الدفاع الجوي خلال حرب أكتوبر لم تكن بطولات فردية، وإنما بطولات جماعية، تقوم على العمل المتكامل بين أفراد أطقم القتال، لافتا إلى أن أي خلل في أداء فرد واحد، سواء بسبب نقص التدريب أو الخبرة، كان يمكن أن يؤدي إلى فشل المهمة بالكامل، لأن جميع العناصر تعمل في تناغم كامل.
وبين أن التدريبات التي خاضها أفراد الدفاع الجوي طوال سنوات ما قبل العبور لم تكن مرتبطة بموعد محدد للحرب، إذ كانوا يعرفون فقط أن هناك قرارًا سياسيًا وعسكريًا مصريًا باستعادة الأرض بالقوة، في ضوء ما أعلنه الرئيس الراحل أنور السادات من أن الأرض ستعود باستخدام القوة، لكن لم يكن أحد يعرف متى ستبدأ الحرب.
وأشار إلى أن أفراد الكتيبة ظلوا حتى الساعة الثانية إلا ربع ظهر السادس من أكتوبر يعملون في مواقعهم بصورة طبيعية، ولم يكونوا يعلمون أن الحرب ستبدأ في ذلك اليوم، لافتًا إلى أنه تم إبلاغهم قبل الحرب بنحو أسبوع بوجود “مشروع استراتيجي”، وهو أمر كان معتادًا في القوات المسلحة، حيث كانت تُجرى مثل هذه المشروعات كل ستة أشهر، كما كان الجانب الآخر يعلم أن القوات المسلحة تنفذ تدريبات ومشروعات عسكرية، ولذلك لم يكن الأمر في حد ذاته يمثل مؤشرًا واضحًا على قرب الحرب.
وأكد أن اللحظة الحقيقية التي عرف فيها أفراد الكتيبة ببدء الحرب جاءت قبل الموعد الرسمي للقتال بنحو ربع ساعة، عندما تلقى قائد الكتيبة اتصالًا وفتح ظرفًا مختومًا ومحفوظًا داخل الخزنة، ليجد بداخله التعليمات الخاصة بتنفيذ الخطة التي تدرب عليها أفراد الكتيبة لسنوات.
وأوضح أن قائد الكتيبة تلقى التعليمات بتنفيذ الخطة التي سبق التدريب عليها، ومن هنا بدأ التعامل الفعلي مع العدو، مشيرًا إلى أن هذه كانت اللحظة التي عرف فيها أفراد الكتيبة أن الحرب بدأت بالفعل.
وقال “إن القوات المسلحة بدأت بعد ذلك مباشرة في تنفيذ عملياتها، وبعد نحو 10 دقائق سمع أفراد الكتيبة أصوات الطائرات وهي تعبر قناة السويس، وكانت تلك اللحظة بالنسبة لهم إعلانًا واضحًا عن بداية الحرب”، منوها إلى أنها كانت من أسعد لحظات حياته، بعدما ظل سنوات يتدرب ويستعد من أجلها.
وتابع: أن السرية كانت جزءًا أساسيًا من خطة الخداع الاستراتيجي، وأن المستويات الأعلى من القيادة كانت تحتفظ بتوقيتات التنفيذ حتى اللحظة الأخيرة، بينما كان المطلوب من كل وحدة تنفيذ ما تدربت عليه فور صدور الأمر.
وأكد أن ما حدث بعد بدء العمليات كان “وابلًا من الاشتباكات الجوية”، بعدما حاولت القوات الجوية الإسرائيلية التعامل مع القوات العابرة للقناة، إلا أن الطائرات الإسرائيلية كانت تواجه صواريخ الدفاع الجوي سواء حاولت الاختراق من اتجاه الشرق أو الشمال أو منطقة السويس.
وأشار إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي أعلن بعد نحو 48 ساعة أن القوات الجوية الإسرائيلية خسرت في اليوم الأول من القتال 50 طائرة على الجبهة، مؤكدًا أن هذا الرقم يمثل محطة مهمة في تاريخ الحرب، وأن هذه الخسائر دفعت الجانب الإسرائيلي إلى إصدار تعليمات لقواته الجوية بعدم الاقتراب من منطقة القناة لمسافة 15 كيلومترًا.
وأكد أن الهدف الأساسي الذي عملت قوات الدفاع الجوي على تحقيقه كان توفير مظلة دفاعية كاملة للقوات العابرة للقناة، وهو ما تحقق بالفعل، مدللًا على ذلك بحجم القوات والمعدات التي تمكنت من العبور خلال اليوم الأول.
وأوضح أن القوات المصرية تمكنت خلال 24 ساعة من عبور نحو 90 ألف جندي وضابط، و850 دبابة، ونحو 11 ألف مركبة ومدفع، مؤكدًا أن ما كان مخططًا لعبوره خلال اليوم الأول تم تنفيذه، وهو ما يعكس حجم النجاح الذي حققته القوات المصرية في عملية العبور.
ولفت إلى أن الدليل الأهم على نجاح قوات الدفاع الجوي كان عبور القوات المسلحة بأعداد ضخمة مع خسائر محدودة للغاية، رغم التحذيرات التي صدرت من الجانب الإسرائيلي من أن عملية العبور ستؤدي إلى خسائر تتجاوز نصف حجم القوات أثناء عبورها القناة.
وأوضح اللواء مجدي صادق أن حرب أكتوبر لم تكن معركة واحدة، وإنما مجموعة كبيرة من المعارك والعمليات التي خاضتها مختلف أفرع القوات المسلحة، مشيرًا إلى نجاح القوات الجوية في تنفيذ مهامها وضرب الأهداف المخططة في سيناء، ونجاح القوات البحرية في مهامها، فضلًا عن نجاح القوات البرية في تنفيذ عملية العبور بأعداد ضخمة واحتلال الضفة الشرقية للقناة، إلى جانب نجاح قوات الدفاع الجوي في منع القوات الجوية الإسرائيلية من تحقيق أهدافها.
واليوم، وبعد مرور 53 عامًا، لا تزال تفاصيل تلك الأيام حاضرة في ذاكرة مقاتلي أكتوبر، ليس فقط بما حملته من معارك وانتصارات، وإنما بما تركته من وجوه ورفاق وأيام طويلة قضوها في التدريب والانتظار، فبالنسبة لمن عاشوا الحرب، لم يكن السادس من أكتوبر يوما للمعركة، وإنما يومًا بقيت تفاصيله معهم طوال العمر، من لحظة فتح الظرف المختوم إلى سماع أصوات الطائرات، ومن عبور القناة إلى سماع خبر رفع العلم المصري على الضفة الشرقية.
ولعل ما يجمع شهادات هؤلاء المقاتلين أن النصر لم يكن لحظة منفصلة عن سنوات سبقتها، وإنما حصيلة رحلة طويلة من العمل والتضحيات، شارك فيها كل مقاتل من موقعه، ووقف خلالها الشعب المصري إلى جانب قواته المسلحة.. ولهذا، حين يستعيد رجال أكتوبر ذكرياتهم اليوم، فإنهم لا يتحدثون فقط عن معركة انتصروا فيها، وإنما عن جيل آمن بأن الهزيمة ليست قدرًا، وأن استعادة الأرض تبدأ أولًا باستعادة الثقة، ثم بالصبر والعمل والاستعداد للحظة التي تغير مجرى التاريخ.