في ملتقاه الأسبوعي الموجه للمرأة بالجامع الأزهر: «المرونة العقلية» أداة شرعية ونفسية لحماية الأسرة المعاصرة من الانهيار
د. عزة عبد الرحمن: المرونة في المنظور المقاصدي عين الرفق والحكمة وليست تنازلاً عن المبادئ
د. رضا إسماعيل: الضغوط النفسية تؤثر عضوياً على المخ.. والمرونة النفسية تحول الشدائد لفرص نمو
د. سناء السيد: غياب المرونة يفرز مجتمعاً حاد الطباع.. والسيرة النبوية زاهرة بالتطبيق العملي للتغافل
عقد الجامع الأزهر الشريف ندوته الأسبوعية ضمن برامجه التوعوية الموجهة للمرأة والأسرة، والتي جاءت تحت عنوان “المرونة العقلية.. رؤية شرعية نفسية”، وذلك بحضور الأستاذة الدكتورة عزة محمد عبد الرحمن، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، والأستاذة الدكتورة رضا إسماعيل، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، والدكتورة سناء السيد، الباحثة بالجامع الأزهر؛ بهدف تسليط الضوء على أهمية المرونة كدرع حامٍ للأسرة وجسر يربط بين معطيات العلم وقيم الإيمان.
أوضحت الدكتورة عزة عبد الرحمن، أن تفعيل «المرونة العقلية والنفسية» أصبح أداة شرعية ونفسية ملحة لحماية الأسرة المعاصرة من الانهيار في ظل ما تواجهه من تحديات وضغوط متزايدة، وبينت أن المرونة في المنظور المقاصدي لا تعني مطلقاً التنازل عن المبادئ أو الضعف، بل هي عين الرفق والحكمة، والقدرة على التكيف مع المتغيرات واستيعاب التباين طبيعي المنشأ بين البشر.
وأضافت أن مفهوم المرونة يتجسد عملياً في:
تقبل الاختلاف والتخلي عن المثالية المفرطة في التعامل.
تبني التفكير الإيجابي والتركيز على الجوانب الطيبة في الشريك.
البحث المستمر عن حلول وسط للمشكلات دون تعصب لرأي شخصي.
وربطت أستاذ الفقه بين المرونة ومقاصد الشريعة الإسلامية، مشددة على أن استقرار الأسرة يندرج ضمن الضروريات الكلية لحفظ النفس والعرض والعقل، مما يستوجب تغليب المصلحة الكبرى المتمثلة في استقرار البيت والأبناء على المصلحة الصغرى القائمة على الانتصار للذات.
واختتمت بالدعوة إلى الانتقال من عقلية «إثبات الخطأ والصواب» إلى عقلية التشارك والتغاضي، مستشهدة بتطبيقات عملية من السيرة النبوية وحياة الصحابة تجسد أسمى صور حسن العشرة.
من جانبها، قدمت الدكتورة رضا إسماعيل، تحليلاً طبياً ونفسياً لوظائف الدماغ وعلاقتها بالضغط النفسي، مشيرة إلى أن المخ — ورغم أنه يشكل 2% فقط من وزن الجسم (نحو 1.3 كجم) — يستهلك 20% من طاقته، ويحتوي على 86 مليار خلية عصبية و85 مليار خلية دعم حيوية للتحكم في كافة الوظائف الذهنية والحسية والمشاعر.
وحذرت من أن الضغوط النفسية المستمرة تؤدي لإفراز هرموني الكورتيزول والأدرينالين، ما يسبب انكماش الحصين المسؤول عن الذاكرة، وزيادة نشاط اللوزة الدماغية المسؤولة عن القلق، وضعف القشرة الجبهية المسؤولة عن اتخاذ القرار.
وأكدت أن المرونة النفسية (التي تشمل أبعاداً جسدية وعقلية وعاطفية واجتماعية) هي القدرة على التكيف مع الشدائد كالمرض والفقد والطلاق وتحويلها إلى فرص للنمو، وأوضحت أن الشخص المرن يتميز بعقلية “الناجي”، والتحكم العاطفي، ومهارات حل المشكلات، مشيرة إلى أن المرونة في الإسلام ترتكز على التوكل والصبر والرضا والأخذ بالأسباب، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ و﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
وفي ذات السياق، أكدت الدكتورة سناء السيد أن المرونة العقلية هي فن التكيف وإعادة بناء الذات والتغافل، وتعد خط الدفاع الأول ضد القلق، مشيرة إلى أن غيابها يفرز مجتمعاً حاد الطباع ويزيد من التوتر الأسري.
واستعرضت الدكتورة سناء السيد، مجموعة من النماذج التطبيقية للمرونة من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، ومنها:
حلم النبي ﷺ في بيته: مواجهته لموقف الغيرة بقوله ﷺ: «غارت أمكم»، ومسابقته لعائشة رضي الله عنها.
ثبات وحكمة أمهات المؤمنين: موقف السيدة خديجة رضي الله عنها في تثبيت النبي ﷺ أول الوحي، ورجاحة عقل السيدة أم سلمة ومشورتها يوم الحديبية.
الرجوع للحق والصبر: موقف الفاروق عمر بن الخطاب في الرجوع للحق أمام المرأة، وصبر نبي الله يعقوب، وتضرع نبي الله يونس عليهما السلام.
واختتمت الندوة بتأكيد المشاركات على أن المرونة مهارة مكتسبة تتطلب حسن الظن بالله وتوسيع زوايا التفكير والتخلي عن الأحكام القطعية، للوصول بالأسرة إلى السلام الداخلي والاستقرار المجتمعي.
تأتي هذه الملتقيات برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب شيخ الأزهر، وباعتماد فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني وكيل الأزهر، وبإشراف الدكتور عبد المنعم فؤاد المشرف العام على الأروقة الأزهرية، ود. هاني عودة مدير عام الجامع الأزهر.