على مدار يومين.. مرصد الأزهر يفكك خطاب التطرف والكراهية ضمن فعاليات برنامج “ركائز الوعي”

في إطار جهوده المستمرة لتحصين عقول الشباب وبناء الوعي الفكري، نظم مرصد الأزهر لمكافحة التطرف محاضرات جديدة ضمن برنامج “ركائز الوعي” لعام 2026، مستهدفًا تعزيز التفكير النقدي لدى الشباب وبناء حماية ذاتية ضد الدعاية المضللة والخطابات المتطرفة. تأتي فعاليات البرنامج برعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، والشيخ أيمن عبد الغني، القائم بعمل وكيل الأزهر.

وفي رؤية استراتيجية تؤكد الأبعاد العميقة للبرنامج، أكدت الأستاذة الدكتورة رهام سلامة، المدير التنفيذي لمرصد الأزهر، خلال كلمتها للمشاركين، أن تحصين عقول الشباب وبناء الوعي الفكري والتحصين الذاتي ضد الأفكار الهدامة يمثل خط الدفاع الأول للأوطان.

وأوضحت د. رهام سلامة أن المرصد لا يقتصر دوره على رصد وتفنيد الفكر المتطرف فحسب، بل يمتد لبناء استراتيجيات وقائية استباقية تسلح النشء والشباب بمهارات التفكير النقدي والتحليل الموضوعي، بما يتماشى مع جهود الأزهر الشريف في نشر وسطية الدين الحنيف وحماية استقرار المجتمعات.

واستهل البرنامج بكلمة ترحيبية للباحث محمد فرغلي، عضو وحدة الرصد باللغة الألمانية، استعرض خلالها دور الأزهر الشريف تاريخيًا في مكافحة التطرف، وتعدد الآليات المعرفية والميدانية التي اتبعها في تفكيك خطاب الحركات المتشددة، إلى جانب تسليط الضوء على قدرة برنامج “ركائز الوعي” على مواكبة التحديات الرقمية والفكرية المعاصرة التي تستهدف وعي النشء.

وفي مستهل فعاليات اليوم الأول، قدم د. مختار محمد، عضو وحدة البحوث والدراسات، محاضرة حول التفكير النقدي وآليات تمييز الحقيقة من الافتراض؛ حيث ركزت على وضع اللبنات الأساسية للعقل الواعي بمعايير المنطق الحديث وتفكيك مفهوم التفكير النقدي عبر إرساء فروق جوهرية بين الرأي الشخصي المبني على الانطباعات الذاتية، والحقيقة العلمية المستندة إلى الأدلة، والافتراضات المسبقة التي تُبنى بلا سند موضوعي وتُشكل بؤرة للوقوع في فخ التضليل، لتعرية الأدلجة العشوائية التي تعتمد عليها التنظيمات الإرهابية.

وتبع ذلك جلسة قدمتها د. سامية صابر، عضوة وحدة الرصد باللغة العربية، تناولت قضية التحيز المعرفي وآليات تكوين الرؤية الموضوعية مع التركيز على ظاهرة التحيز التأكيدي الذي يدفع الأفراد للبحث فقط عن المعلومات التي تدعم قناعاتهم السابقة ويتجاهلون الحقائق الموضوعية. وتناولت المحاضرة هذا الجانب عبر مسارين؛ مسار نفسي وتحليلي لفهم دوافع العقل البشري نحو تبسيط الأفكار المعقدة في قوالب ثنائية، ومسار تطبيقي تمثل في ورشة عمل مكثفة لتدريب الشباب على مهارات طرح الأسئلة النقدية وفحص المحتوى المتداول لتفكيكه وتحييد تأثير العاطفة والتحيزات المسبقة على الأحكام.

وانتقالًا إلى الجانب الإعلامي، ركز مشرف الوحدة الإعلامية، الأستاذ حازم أبو العينين، على مواكبة التزييف والمغالطات المنطقية وفنون التزييف العميق والتضليل الرقمي، مستعرضًا أساليب الحيل الفكرية المتقدمة التي توظفها المنصات الموجهة لتضليل الرأي العام عبر اجتزاء السياقات والتلاعب بالصور والبيانات، وتخلل الجلسة ورشة عمل تفاعلية قام خلالها المشاركون بتحليل نصوص إخبارية ومقاطع مرئية لكشف زيفها وتفنيدها علميًا وفق قواعد التحقق الإخباري.

وفي اليوم الثاني من فعاليات البرنامج، وتحت عنوان “تفكيك الخطاب المتطرف”، قدم دكتور حمادة شعبان، مشرف وحدة الرصد باللغة التركية، مقاربة علمية تعتمد على تحليل الخطاب النقدي لاستعراض الآليات المنهجية لفضح البنيات اللغوية والدلالية التي تروجها الجماعات المتطرفة كمفاهيم موثوقة وهي محرفة، واستدعاء النصوص الدينية خارج سياقاتها، مبينًا أساليب رصد وتفكيك البروباغندا الرقمية التي تستقطب الشباب عبر عاطفة الانتماء الديني الزائف.

وضمن جهود الأزهر لحماية منظومة القيم، تناولت محاضرة دكتور إسلام ضيف الله، الباحث بوحدة بيان لمجابهة الإلحاد، ظاهرة الإلحاد من حيث خطورتها وأسبابها وسبل مواجهتها؛ حيث تطرق إلى تفكيك الجذور الفكرية والنفسية للظاهرة، ومناقشة الشبهات المعاصرة التي تُطرح للتشكيك في الثوابت، مستعرضًا المناهج العلمية والعقلية الرصينة للرد عليها وتحصين الشباب.

وفي ختام فعاليات اليوم الثاني من البرنامج، قدم دكتور حمادة زيان، الباحث بوحدة الرصد باللغة العبرية، قراءة تاريخية وتحليلية تحت عنوان “تفكيك الأيديولوجيا الصهيونية وأبعاد القضية الفلسطينية”؛ حيث ركز على تفكيك الأسس الفكرية والتاريخية للحركة الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية استيطانية توظف المفاهيم الدينية لتبرير الممارسات الإجرامية والتهجير القسري. كما أبرز “زيان” الدور الحيوي الذي يضطلع به مرصد الأزهر في رصد وتفنيد الخطاب الإعلامي والسياسي الموجه باللغة العبرية، دفاعًا عن الهوية العربية والفلسطينية وكشفًا لزيف السرديات المضللة.

يأتي تنظيم برنامج “ركائز الوعي” ليؤكد مجددًا الدور الريادي الذي يضطلع به الأزهر الشريف ومرصده لمكافحة التطرف في التصدي للفكر المتشدد من جذوره العلمية والنفسية والإعلامية، متجاوزًا مرحلة رد الفعل إلى بناء منظومة وقائية متكاملة تسلح الأجيال الصاعدة بمهارات التفكير النقدي والوعي الرصين.

زر الذهاب إلى الأعلى