خطيب الجامع الأزهر : سورة الأنفال ترسم منهج بناء الفرد ، والصفات الجليلة التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن


أوضح الدكتور هاني عودة مدير الجامع الأزهر خلال خطبة الجمعة التي جاءت بعنوان “وقفات مع سورة الأنفال”، أن سورة الأنفال توجيه إلهي إلى أن الأمور الدنيوية، مهما بلغت قيمتها، تظل أمورا مادية زائلة، وأن الواجب هو الاستماع إلى كلام الله والانقياد لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والرجوع إلى توجيهاته في تنظيم شؤون الحياة، حتى تكون الغاية الحقيقية هي إقامة دين الله وإعلاء كلمته، وهو ما لا يتحقق إلا بطاعة الله ورسوله.

وأوضح مدير عام الجامع الأزهر أن الأزهر الشريف في كل زمان ومكان يدعو إلى تغليب الحوار والسلام علي السلاح والحرب.

كما أشاد خطيب الأزهر بدعوة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر للأمة الإسلامية إلى الحوار ونبذ الخلافات، وهي المعاني التي تؤكد عليها سورة الأنفال في قوله تعالى: “فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ”، مؤكدًا على أن السعي إلى الصلح بين المتخاصمين هدف عظيم يحفظ الحقوق ويمنع الظلم، مضيفا أن إصلاح ذات البين لا يقتصر على الأفراد والأسر، بل يمتد إلى الجماعات والمجتمعات والعلاقات بين الأمم.

وأشار خطيب الجامع الأزهر إلى أن إقامة الصلاة تمثل الصلة الروحانية بين العبد وخالقه، وأن على الآباء والأمهات أن يأخذوا بأيدي أبنائهم إلى الصلاة والطاعة، حتى تنشأ الأجيال على الإيمان الصحيح.

وأضاف أن إشاعة السلام وإصلاح العلاقات بين الناس من أهم أسباب استقامة أحوال المجتمعات وترسيخ المحبة بين أفرادها، وسورة الأنفال ترسم منهجا متكاملا لتحقيق التماسك المجتمعي وإدارة الأزمات.

وأكد مدير عام الجامع الأزهر على أهمية الربط بين توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء في سورة الأنفال من أمر بالاستجابة لله ورسوله، والتحذير من الخيانة والتفريط في الأمانات من أسباب الضعف والانحراف.

كما لفت مدير الجامع الأزهر إلى أسباب النصر التي أرشدت إليها سورة الأنفال؛ من الثبات على طاعة الله ورسوله، والثبات عند مواجهة العدو، والتحلي بالصلابة الروحية والقوة النفسية المستمدتين من التمسك بهدي الله، والإكثار من ذكره سبحانه وتعالى، إلى جانب وحدة الصف وعدم التنازع والتفرق، والصبر عند الشدائد، فالإنسان ليس مخلدا في الحياة الدنيا، ومن ثم فعليه أن يثبت على الحق ، وأن يستمد قوته من الإيمان بالله واليقين بنصره، مستحضرا ما ردده المصريون في حرب أكتوبر من هتاف “الله أكبر”، الذي جسد قوة الإيمان والعزيمة والثبات.

وتابع: التفرق أضعف الأمة حتى أصبح أبناؤها يقاتل بعضهم بعضا، ويرى كل فريق أنه وحده على الحق، وهو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة في حفظ الدماء وتحقيق العدل.

كما حذر مدير الجامع الأزهر، من عواقب الفتن والصراعات التي تفقد المجتمعات أمنها واستقرارها، ومؤكدا ضرورة الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص فيما يجهله، كما حذر من الانسياق وراء أسباب الفرقة التي تحول الأمة إلى جماعات متنازعة وتبدد قوتها. وشدد على أن الطاعة الواعية، والاحتكام إلى العلم، والالتزام بالمنهج الشرعي، والصبر، والتماسك الاجتماعي، جميعها عوامل ضرورية لحماية المجتمعات من الاضطراب، وصيانة مقدراتها، وتحقيق مصالح أبنائها.

كما أكد د. عودة، على أن الغاية الكبرى للمؤمن تتمثل في إدراك زوال الدنيا والانقياد لطاعة الله ورسوله وإقامة الدين، وذلك عبر منهج متكامل لبناء الفرد والمجتمع يقوم على غرس الإيمان الصحيح، وإقامة الصلاة، والصلابة الروحية، وتحقيق التماسك المجتمعي، ونشر السلام وإصلاح ذات البين، مستندين في ذلك إلى قوانين النصر المتمثلة في الثبات، والذكر، ووحدة الصف، والطاعة، والصبر، وحفظ الأمانات؛ ولتحقيق معادلة البقاء والقوة يُصار إلى الأخذ بأسباب الردع لحماية الأوطان مع الجنوح الدائم للسلم، شريطة الحذر من التفرق والشائعات والالتفاف حول أهل العلم والاختصاص.

وفي ختام الخطبة، أوضح فضيلة الدكتور هاني عودة، أن سورة الأنفال توجه الأمة إلى الأخذ بأسباب البقاء، وفي مقدمتها إعداد القوة اللازمة لحماية الأوطان وردع المعتدين، فإعداد القوة ضرورة لحماية الأمة وصيانة حريتها وردع من يريد الاعتداء عليها، وليس دعوة إلى العدوان أو طلب القتال، فالأمة لا تسعى إلى الحرب، وإنما تملك من أسباب القوة ما يمكنها من الدفاع عن نفسها والحفاظ على استقلالها وحرية أبنائها التي أرادها الله للبشر.

فالسورة الكريمة تجمع بين القوة والاستعداد من جهة، والدعوة إلى السلم والمودة والرحمة من جهة أخرى، وتقدم منهجا متكاملا لبناء الإنسان والمجتمع، يقوم على الإيمان والطاعة والتقوى والإصلاح والثبات والصبر ووحدة الصف.

زر الذهاب إلى الأعلى