الوعي في مواجهة الزيف.. الجامع الأزهر يختتم برنامج “معالم في بناء الوعي المعرفي” بندوة “العلم والتصدي للوهم”

اختتم الجامع الأزهر الشريف فعاليات برنامج «معالم في بناء الوعي المعرفي»، بعقد ندوته الأسبوعية تحت عنوان «العلم والتصدي للوهم»، استهدفت ترسيخ الوعي العقلي والتحصين ضد الأفكار الزائفة والخرافات المنتشرة في ظل التدفق الرقمي السريع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

شهدت الندوة حضور الدكتورة ريهام صفوت، مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، والدكتورة أسماء الزيني، المحاضرة بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، والدكتورة سناء السيد، الباحثة بالجامع الأزهر، حيث قدمن رؤى متكاملة لتحصين الأسرة والمجتمع من مخاطر التضليل المعرفي.

في مستهل الندوة، أكدت د. ريهام صفوت، أن العقل نعمة إلهية كبرى والعلم وسيلة الارتقاء، بينما يمثل الوحي الهداية والميزان الضابط لمسيرة الفكر البشري، موضحةً بعبارة بليغة: “العقل يفكر، والعلم يكشف، والوحي يهدي”.

واستعرضت د. ريهام جذور ومصادر الوهم مستفيدة من نظرية «الأوهام الأربعة» لفرانسيس بيكون، مشيرة إلى أشكال التقليد الأعمى، وسوء الظن، والتعميم المتسرع، والانخداع بالمظاهر بلا دليل. كما حذرت من الممارسات المعاصرة التي تتستر بغطاء العلم والروحانيات لنشر الوهم، مثل:ادعاءات علم الطاقة المزيف، والتنجيم والأبراج وقراءة التاروت، والاستشفاء المزعوم واستغلال حاجة الناس للطمأنينة ومعرفة المستقبل.

وأبرزت مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، دور المرأة المحوري في حماية الأسرة، بتربية الأبناء على التفكير النقدي، وسؤال أهل الاختصاص، وعدم الانسياق خلف الشائعات الرقمية، مؤكدة أن مواجهة الوهم تبدأ ببناء عقل مميز ونفس لا تنقاد للخوف؛ “فليس كل متداول حقيقة، ولا كل منسوب للعلم علماً”.

من جانبها، أوضحة د. أسماء الزيني، الفارق الجوهري بين العلم الحقيقي القائم على الدليل، والوهم المستند إلى الظن والشائعات التي تتحول تدريجياً إلى قناعات متحكمة في حياة الأفراد. وأشارت إلى أن القرآن والسنة عظّما قيمة العلم، وأوجبا التثبت، وحرّما القول بغير علم.

ولفتت د. أسماء الزيني إلى أن صناعة الوهم تبدأ عادة من: الخوف من المستقبل والمبالغة في تفسير المواقف، وتوريث الأفكار الخاطئة وتصديق المنشورات بلا تمحيص، وحذرت من الآثار المدمرة للوهم على استقرار الأسرة والمرأة في مجالات التربية، والزواج، والصحة، والتدين، حيث تؤدي المخاوف المجتمعية إلى قرارات خاطئة وظلم الآخرين. ودعت إلى اعتماد منهج عملي لتحويل المعرفة إلى سلوك والعلم إلى حكمة، والوعي إلى قرارات رشيدة تحمي العقل والقلب.

وفي السياق ذاته، حذرت د. سناء السيد، من أن التحدي الأكبر اليوم لم يعد يكمن في مجرد “الجهل”، بل في مواجهة “الزيف الذكي المصنوع بعناية” والذي تتغذى عليه خوارزميات المنصات الرقمية لتقديم الوهم كوجبة سريعة تريح النفس وتبرر أخطاءها، متطرقةً إلى أشكال معاصرة وخطيرة من الوهم مثل: وهم الثراء السريع، عبر التداول الوهمي والعملات المجهولة، والدجل الطبي ووهم العلاج السحري، ووهم اليوتوبيا الرقمية والسعادة المصطنعة، فضلاً عن أزمة “وهم الحواس” الناجمة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي والفيديوهات المزيفة (Deepfakes).

واختتمت د. سناء بالتأكيد على أن علاج هذه التحديات لا يكون بالهروب من التكنولوجيا، بل ببناء المناعة العقلية الرصينة استناداً إلى التوجيه القرآني الكريم: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ليبقى الوعي المجتمعي درع الحماية الحقيقي للبيوت والأجيال الناشئة.

زر الذهاب إلى الأعلى