الانتماء للوطن.. قيمة ومقتضيات( 3 ـ 5)
أ.د. إبراهيم صلاح الهدهد
المستشار العلمى لمنظمة خريجى الأزهر
الجهل بسياقى الحال والمقال من أعظم المزالق فى فقه النص:
إن فقه آيات الذكر الحكيم والنصوص النبوية الشريفة بمنأى عن سياقها المقالى والمقامى، وعن ظلال المقاصد الكلية لشريعة الإسلام مزلق عظيم الخطر، وقد نبه الأسلاف إلى ذلك من ذلك ما ذكره الشاطبى، رحمه الله تعالى، فى الموافقات: والذى يجب أن يكون على بال من المستمع والمتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره وآخره وأوله والقضية وما اقتضاه الحال منها، فلا يعقل مثلاً حمل الكلام على الظاهر فى الحديث الذى رواه أبوداود فى سننه الإمام أحمد فى مسنده «عن المغيرة بن شعبة، رضى الله عنه، قال: ضفت النبى، صلى الله عليه وسلم، ذات ليلة فأمر بجنب فشوى، وأخذ الشفرة فجعل يحز لى بهامته، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقى الشفرة، وقال: ما له تربت يداه ، وقام يصلى، زاد الأنباري، وكان شاربى وفى فقصه لى على سواك ، أو قال: أقصه لك على سواك، فلايعقل أن يكون المراد دعاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على بلال على حقيقته، لكن السياق قاض بأنه دعاء له- رضى الله عنه-وليس دعاء عليه، فقد فعل ما يستحق أبلغ المدح، وقد عثرت على قول لأبى عبيد نقله القرطبى فى توجيه هذه الأساليب؛ حيث يقول: «والصحيح أن هذا اللفظ وشبهه تجرى على ألسنة العرب من غير قصد الدعاء به، وهذا مذهب أبى عبيد فى هذه الكلمات وما شابهها، وقد أحسن البديع فى بعض رسائله، وأوضح هذا المعنى فقال: وقد يوحش اللفظ وكله ود، ويكره الشىء وما من فعله بد، هذه العرب تقول لاأبا لك للشىء إذا أهم، وقاتله الله ولا يريدون به الذم، وويل أمه للأمر إذا تم، وللألباب فى هذا الباب أنتنظر للقول وقائله، فإن كان وليًا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوًا فهو البلاء وإن حسن».
أرأيت فى الإحالة على فقه الحال ومقتضاه، وإبصار تنزيل المقال على المقام أجل من هذا..
والذين نظروا إلى الحديث بعيدًا عن نور سياقه، قسموا الديار فى زماننا إلى دار كفر ودار إسلام، ورتبوا على ذلك وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهجروا على ذلك أوطانهم، والحال أن المسلمين فى كل بقاع الدنيا الآن يقيمون شعائر دينهم بكل حرية، ولا يمنعهم من ذلك أحد والمساجد تملأ أوروبا وروسيا والعالم كله، وقد تغير وجه الدنيا عما كان عليه، والرسول، صلى الله عليه وسلم، نفسه، غيّر المفهوم لمّا تغير الواقع، حين ألغى مفهوم الهجرة الذى كان محدد المعالم واضح القسمات قبل الفتح، وذكر مفهومًا دائمًا مستمرًا إلى أن تقوم الساعة؛ حيث بيّن- كما سلف- أن الهجرة أن تهجر ما نهى الله عنه، إذا حجر المصطلح على فهم واحد هو عدم فقه صحيح لسُنَّة الله فى كونه، ولسُنَّة النبى، صلى الله عليه وسلم.
هناك فرق هائل بين ظروف المسلمين الأوائل فى مكة وبين استقرار المجتمعات الآن، فقد غابت تلك الظروف ولايجوز الاستدلال بمثل قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواۚ» (الأنفال: 72)، ولا قوله: «وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْۚ» (الأنفال: 75) ، ولا قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا».
فالهجرة التى هى بمعنى ترك الوطن، واستيطان غيره بالنسبة لمسلمى مكة الأوائل هى هجرة دفعهم إليها قومهم، واضطروهم إليها ويدل على ذلك عطف الإخراج على المهاجرة فى آية آل عمران: «فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ»، سواء كان الإخراج بصريح القول أم بالإيحاء من جهة سوء المقالة، ولقد هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة لما لاقوه من سوء معاملة المشركين، ثم هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هجرته إلى المدينة، والتحق به المسلمون كلهم لما لاقوه من أذى المشركين، ولا يُوجد ما يدل على أن المشركين أخرجوا المسلمين، فالهجرة هنا بمعنى الإلجاء إلى الخروج، ومنه قول ورقة بن نوفـل: يا ليتنى أكون معك إذْ يخرجك قومك، وقول النبى، صلى الله عليه وسلم،: «أو مُخرجى هم؟ فقال: ما جاء نبى بمثل ما جئت به إلا عودى».
وقال العلامة الطيبى فى تفسير قوله تعالى (فبكتتهم الملائكة) بقول: «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا» (النساء: 97) أرادوا: أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التى تُمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة، وهذا دليل على أن الرجل إذا كان فى بلدٍ لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو عُلِمَ أنه فى غير بلده أقوم بحق الله، وأدوم على العبادة حقت عليه المهاجرة.