الإسلام وحقوق الإنسان
بقلم / مظهر رحماني ـ مالى ـ طالب فى تانية تمهيدى ماجيستير بكلية الدراسات العليا – جامعة الأزهر
إن حقوق الإنسان في الإسلام ليست منحة ولا هبة من الحاكم، أو قرارًا صادرًا عن سلطة سياسية أو جهة دولية، وإنما هي حقوق أساسية ذات مصدر إلهي، لا تقبل الحذف ولا النسخ ولا التعطيل ولا التشويه ولا التجزئة، ولا يجوز الاعتداء عليها أو التنازل عنها. شرعها الإسلام – منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنًا – في شمول وعمق، وأحاطها بضمانات كافية لحمايتها، وصاغ مجتمعه على أصول ومبادئ تكفل هذه الحقوق وتدعمها.
إن “الحق” في اللغة يعني الشيء الثابت دون ريب، وهو للفرد أو للجماعة ويتبعه واجبات. ومن ثم، يمكن القول إن تعاطي الشريعة الإسلامية مع حقوق الإنسان جاء ليضع الأسس والدعائم للموازنة بين (استعمال الحق والتعسف في استعمال الحق)، أو الموازنة بين الحقوق والواجبات. بعبارة أخرى، فإنه في الوقت الذي يدعو فيه الإسلام لحقوق الإنسان، ويشدد عليها، لا يطلق يد الفرد بحيث تتحول عملية الاستفادة من الحقوق إلى حالة من الفردية والفوضى.
وبالمقارنة بين رؤية الإسلام والرؤية الغربية لحقوق الإنسان يتضح جليًا الهوة الكبيرة بين المنطلق الذي تقوم عليه كلتا الرؤيتين. فبينما تنطلق الرؤية الإسلامية من تكريم المولى عز وجل للإنسان وخلافته في الأرض، تنطلق الرؤية الغربية من مفهوم الصراع، و”الحالة الطبيعية” التي أشار إليها توماس هوبز، والتي استند إليها مفكرو العقد الاجتماعي في تفسير بناء المجتمع السياسي أو السلطة السياسية. الأمر الذي يعني أن الرؤية الغربية جاءت بالاستناد إلى مدخل قوامه الحقوق الفردية، وليس نظرة عاملة وشاملة كما ترى الرؤية الإسلامية.
وفي هذا السياق، يتضح أن الإسلام وضع رؤية عاملة وشاملة قبل أكثر من 1400 عام، في حين اتخذت الرؤية الغربية منحى تتطور عبر مئات السنين متأثرة بالظروف والاضطرابات التي مرت بها.
يمكن القول إن أولى المحاولات الغربية تمثلت في وثيقة “الماجنا كارتا” التي أعلن عنها “جون لاكلاند”، ملك إنجلترا، عام 1215، ثم الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان 1789 الذي جاء في أعقاب الثورة الفرنسية. ولكن هذه الوثائق وغيرها بالرغم مما أحرزته من تقدم في مجال حقوق الإنسان، إلا أنه كانت تشوبها بعض العيوب كاستبعاد النساء والأشخاص من ذوي البشرات الملونة وعدد من الجماعات الدينية والاقتصادية والسياسية المعينة. ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 بعدما عانى العالم ويلات ودماء الحربين العالميتين الأولى والثانية، بهدف وضع إطار عام لحقوق الإنسان على المستوى الدولي.
وفي إطار الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام، تجدر الإشارة إلى وثيقة أو ميثاق المدينة المنورة الذي وضعه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أساسًا لتنظيم العلاقات بين مكونات المدينة بعد الهجرة إليها وإقامة مجتمع الإسلام كنموذج للدولة، وشمل هذا المجتمع المسلمين وغير المسلمين، التى تضمنت ما يمكن أن نطلق عليه “الدستور المكتوب”، فقد حوت نصوص تبين علاقة الراعي برعيته، والقضاء وضرورة تحقيق المساواة والعدالة بين الناس على اختلافاتهم. وفيها حق الأمة في العدل والأمن والتناصر والتعاون، والحقوق الإنسانية والاجتماعية لكل فرد من أفراد المجتمع. كما ضمنت الحق في الحرية ورفض التعصب للمسلمين وغير المسلمين الذي حصلوا على حقوقهم الكاملة والمساوية للمسلمين.
على الرغم من التناقض في نقطة الانطلاق بين رؤية الإسلام والرؤية الغربية لحقوق الإنسان، إلا أن هناك تقارب في مضمون أغلب هذه الحقوق، أبرزها،
الحياة:
الحياة أول حق جعله الله للإنسان؛ فهي من الحقوق المقدسة بحيث لا يحق لأحد التجاوز على حق غيره في الحياة؛ فقد اعتبر الإسلام الاعتداء على حياة إنسان واحد بمثابة الاعتداء على حقوق جميع الناس. كما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: “من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا”.
الحرية:
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان حرًا يستطيع التفكير ولديه إرادة، وهذا الخصيصة ميز الخالق بها الإنسان عن سائر المخلوقات. هذه الحرية وردت في القرآن الكريم، في قوله تعالى: “إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا”. كما قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”.
الكرامة:
وهب الله تبارك وتعالى للإنسان الكرامة، فهو مكرم عند ربه وليس من حق أحد أن يقوم بإذلاله أو قهره أو أهانته. قال المولى عز وجل في سورة الإسراء: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”.
المساواة:
المساواة وفقًا للرؤية الإسلامية هي: (تماثل كامل أمام القانون وتكافؤ كامل للفرص، وتوازن بين المتفاوتين). المساواة جاءت في القرآن الكريم في كثير من الآيات منها: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. كما وردت في أقوال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) “كلكم لآدم وآدم من تراب” في خطبة الوداع.
ختامًا، يتضح أن حقوق الإنسان ليست اختراع غربي وليست منحة فكرية بثها الغرب في ربوع العالم. وإنما هى جزء أصيل من الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية، حتى وإن أخفق في الالتزام بها بعض المسلمين. وفي هذا السياق، يتضح أن هناك حاجة ماسة لنشر رؤية الإسلام لحقوق الإنسان ووضعها في نصابها الصحيح، الأمر الذي سيساهم في قطع الطريق على الأفكار والتصورات المغلوطة عن الإسلام سواء بين المتطرفين أو غير المسلمين.