وزير التعليم العالى الجزائرى الأسبق د.مصطفى الشريف.. يكتب: الفكر الإسلامي لعصرنا
ترجمة: أ.د/ أسامة نبيل
بإسلوب فلسلفى مقتضب يفند الدكتور مصطفى الشريف، أستاذ الفلسفة الإسلامية وحوار الأديان، فى سلسلة من المقالات، مشاكل المسلمين فى أوروبا عموما وفى فرنسا على وجه الخصوص. فى هذا المقال الأول يشخص مصطفى الشريف التحديات التى تواجه المسلمين فى أوروبا ، ويؤكد على ضرورة التجديد تحت مظلة الفكر الوسطى الإسلامي:
| ويمكن للنزعة الإنسانية والتوحيدية أن يجتمعا فى هذا الفكر الوسطى . وكلما انحرفنا عن فكر الحوار والوسطية تظهر الكوارث. والمسلم الأوروبي ، المرتبط بالثقافة الديمقراطية ، يرقب عن كثب اتجاه التغيير ، والفكر الدينى والثقافي جديد ، والعلاقة المشتركة العادلة. فالوسطية تصف المسلمين كما يجب أن يكونوا: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا”. سورة البقرة، آية 143. |
يواجه المسلمون في أوروبا تحديات غير مسبوقة. ويمكنهم مساعدة العالم الإسلامي وأوروبا في إيجاد طريق حداثة هادئة. فمن الداخل ، يغتصب التطرف وجماعاته اسم الإسلام ، ويخونونه وينشرون العدمية. كما أن بعضهم يعطى انطباعا بأنه يقاوم المعايير الدنيوية والمدنية والعلمانية والديمقراطية. وفي هذا السياق ، ظهرت خطابات تلعنهم وتدينهم ، بينما لا توجد مسؤولية جماعية لهؤلاء.
وهناك انتقادات لا أساس لها من الصحة وأخرى مشروعة. ولمواجهة التحديات ، فإن المسلمين الأوروبيين محقون في استعادة مفهوم الإصلاح السلوكي وقراءة نصوصهم المؤسسة. والفرضية هنا واضحة: إذ إن عليهم أن يعيدوا علاقتهم بفكر المنهج الوسطى ، والرؤية الثاقبة ، والتحرر. فمن الصعب أن يتقدموا ويجددوا فى فهم الدين ويسهموا في إقامة المجتمع بدون الفكر العقلاني الوسطى.
ولكى يتم الاندماج بشكل جيد ونسهم في الخروج من المرحلة الحالية لنهاية حضارة العالم الحالي ، فإن النموذج الذى يجب أن نتبعه واضح: حيث هناك مجال للحوار مع كل من يملكون النزعة الإنسانية لفهم تعقيدات عصرنا على مسافة من المواقف المتطرفة التي مصيرها الفشل وذلك مثل : الانغلاق (التطرف – الأصولية) والتفريط (مثل الليبرالية الهمجية – المادية – التاريخانية)، لتشكيل إنسانية متحررة ومتوازنة وعادلة. فالعالم فى حاجة للفكر الوسطى، الذى يمثل فى حد النزعة الإنسانية .
ويمكن للنزعة الإنسانية والتوحيدية أن يجتمعا فى هذا الفكر الوسطى . وكلما انحرفنا عن فكر الحوار والوسطية تظهر الكوارث. والمسلم الأوروبي ، المرتبط بالثقافة الديمقراطية ، يرقب عن كثب اتجاه التغيير ، والفكر الدينى والثقافي جديد ، والعلاقة المشتركة العادلة. فالوسطية تصف المسلمين كما يجب أن يكونوا: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا”. سورة البقرة، آية 143.
ومن الضروري أن نأخذ فى فى الاعتبار الانتقادات الموجهة إلى المسلمين ، كى نرسم لعصرنا طريقا واضحا ينبع من الفكر الوسطى لاسيما أن روح العصر وردود الفعل الظلامية لمسلمين مزيفين توحى خطئا بأن المسلم يرفض النقد. وومع ذلك، فإن مايجب رفضه هو التحريض على الكراهية والتشهير وتعميم الأحكام التي لا أساس لها من الصحة. وليس حرية التعبير والنقد بما فى ذلك تلك التى تنم عن عدم الاحترام أو السخرية.
وإذا كان بعض المسلمين وغيرهم يجهل الإسلام، فمن واجبنا أن نوضحه بفكر يناسب عصرنا وبسلوكيات مدروسة ومتسقة. وهناك أمور تجعل من أوروبا بمثابة فرصة للمسلمين، وأمور أخرى تجعل من الإسلام فرصة حقيقية وليست مضللة لأوروبا. فالحياة الحقيقية تكمن فى التبادل والمشاركة. ويجب أن نتعرف بالتحولات.
وتعد المجتمعات الغربية الحديثة، التي عانت من الدجماتية أو القطعية الدينية ، والثيوقراطية ، والحروب الدينية والتعصب ، هي الأولى في التاريخ التي قررت أن تعيش بلا علاقة مع السمو الروحي ،والمقدس، والتدين. وهذا شىء لابد أن نأخذه في الاعتبار. ولكن الثقافة الحديثة، وخروج الدين من الحياة ، لم يلبيا الحاجة إلى الحس والتدين المرتبط بأخلاق الوجود.
فمنذ عصر جان جاك روسو ، فإن فكرة اختراع دين مدني وأخلاقيات علمانية لم تمنع أزمة الحضارة وخيبة الأمل في مواجهة وعود التحرر والسعادة. ولم يستطع السوق العالمي، ولا شغف الفنون والعلوم، ولا حتى انتشار الطوائف والتدين خارج الديانات السماوية، أن تلبى الاحتياجات الأخلاقية.
وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال الحداثة مشبعة بالمفاهيم اللاهوتية عن التبعية المسيحية. لقد أعادت الحداثة أساطير أنماط دينية واستخدمت منطق التقديس والتدين لمعاييرها الخاصة. فيعد التقدم المادي ، والعقل الفعال ، والبضائع ، والتاريخ ، والفرد المتمركز حول ذاته ، بمثابة أشكال جديدة من التبعية والأوثان.
يفرض منطق السوق والنسبية قواعده، مثل الأخلاق الدينية بالأمس، حتى لو كانت وجهات النظر متعارضة. ويبدو أنه لا يمكن أن توجد إنسانية ، أو مجتمع ، أو مصلحة عامة ،لا ترتبط بأساس ميتافيزيقي أو روحي أو يكون لها مرجعية مقدسة. لكن هذا المقدس يجب أن يظل محدودا، ومقيدا. فليس كل شيء دينيا. أبعد ما يكون عن ذلك. وأمام المسلمين الأوروبيين فرصة للمساهمة في حداثة تؤدى إلى أنسنة، مرتكزة على أخلاق منفتحة. وسيكون الوضع مأساويا إذا لم ننتهز هذه الفرصة التاريخية، بالنظر أنهم يعيشون في منطقة ديمقراطية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب .. مندوب الجزائر السابق فى الجامعة العربية أستاذ الفلسفة الإسلامية وحوار الأديان