خلال كلمته في المؤتمر الدَّولي الـ43 للمولد النبوي الشريف بباكستان.. أمين (البحوث الإسلاميَّة): مولد النبي ﷺ ميلادٌ لحياة جديدة للبشريَّة وسيرته مدرسةٌ للهداية والرحمة والسلام

شارك د.محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة بالأزهر الشريف، مساء أمس الثلاثاء، في المؤتمر الدولي الثالث والأربعين للمولد النبوي الشريف، الذي نظَّمته منظَّمة (منهاج القرآن العالميَّة) في مدينة (لاهور) الباكستانيَّة؛ احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف، وذلك ضمن مشاركة وفد الأزهر، وبحضور عددٍ مِنَ القيادات الدِّينيَّة والعلماء والمفكِّرين من مختلِف دول العالم.

وفي كلمته، قال د.محمد الجندي: إنَّ مولد النبي ﷺ كان ميلادًا لحياة جديدة للبشريَّة، أخرج الله بها الناس من ظلمات الجهل والاضطراب إلى نور الهداية والرحمة والسلام، وجاء ﷺ بالهداية والسلام ونُصرة الضعفاء، وإنَّ الاحتفاء بمولده ﷺ فرصة لتجديد العهد برسالته، واستحضار قِيَمه، والاهتداء بسيرته في واقعنا المعاصر، مضيفًا أنَّ محبَّة النبي ﷺ هي أساس الثبات على الدِّين، خاصَّة في أوقات الفتن واضطراب الموازين؛ فالأمَّة التي تحبُّ نبيَّها تعرف طريقها، وتستمدُّ من سيرته الوعي والإرادة والقدرة على تحويل القِيَم إلى عمل؛ بما يسهم في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع وصناعة حياة تقوم على الهداية والرحمة والسلام.

وأوضح الدكتور الجندي أنَّ محبَّة النبي ﷺ هي الأساس الذي تُبنَى عليه الحضارة؛ لأنها تُربِّي على الأخلاق والعدل، وتصنع إنسانًا متوازنًا يجمع بين القدرة على البناء والحرص على الرحمة، وبين التقدُّم والتمسُّك بالقِيَم والهُويَّة، مشيرًا إلى أنَّ السيرة النبويَّة قدَّمت نموذجًا متكاملًا في الرحمة والعناية بكلِّ ما في الكون، حتى بالحيوان، ومِن هذه المواقف: حينما دخل النبي ﷺ حائطًا لرجل من الأنصار، فرأى جَملًا حنَّ وذرفت عيناه، فمسح النبي ﷺ ذِفراه حتى سكن، ثم قال لصاحبه: «أفلا تتَّقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إيَّاها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتُدئِبه».

ولفت الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة إلى أنَّ هذا المنهج يبيِّن أنَّ الحضارة الحقيقية لا تقاس بما تملكه من قوَّة ماديَّة فقط؛ وإنما بما تستند إليه من قِيَم تضبط هذه القوَّة وتوجِّهها إلى الخير، موضِّحًا أنَّ كلَّ نصر بلا قِيَم وهم، وكلَّ تحضُّر بلا هدي انحراف، وأنَّ محبَّة النبي ﷺ هي التي تجمع بين القوَّة والرحمة، وتحفظ الإنسان من أن تتحوَّل قوَّته إلى طغيان أو يفقد إنسانيَّته في طريقه إلى التقدُّم.

وتابع فضيلته أنَّ محبَّة الصحابة للنبي ﷺ كانت طاعةً وعملًا وتضحيةً وإيثارًا، وكان لها أثر واضح في صناعة التاريخ وحمل رسالة الإسلام، وأنَّ من أبرز صور ذلك: موقف الأنصار حين أعطى النبي ﷺ بعض عطايا الفيء لقريش وقبائل العرب، ولم يكُن للأنصار منها شيء، فوجد بعضُهم في نفوسهم، فجمعهم النبي ﷺ وذكَّرهم بما أنعم الله به عليهم من الهداية والغنى وتأليف القلوب، ثم قال لهم: «أفلا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله في رحالكم؟»، فبكوا وقالوا: «رضينا برسول الله قسْمًا وحظًّا»، لافتًا إلى أنَّ هذه المواقف تكشف عن أنَّ المحبَّة الحقيقيَّة لا تقاس بما يناله الإنسان من الدنيا؛ وإنما بما يحمله في قلبه من وفاء لرسول الله ﷺ واستعداد للتضحية من أجل قِيَمه ورسالته.

كما أشار إلى شدَّة تعلُّق الصحابة به ﷺ في مواقف عديدة؛ منها: ما ورد عن ثوبان -رضي الله عنه- حين اشتدَّ عليه فراق النبي ﷺ، فخشي ألَّا يجتمع معه في الجنَّة، فنزل قول الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}؛ بما يؤكِّد أنَّ محبَّة النبي ﷺ حين تصدُق في القلب تتحوَّل إلى طاقة تدفع إلى الطاعة والعمل والإيثار وتحمُّل المسئوليَّة، وتجعل من سيرته مدرسةً لصناعة الإنسان القادر على البناء وخدمة الناس وحَمْل الخير إليهم.

وأكَّد الدكتور الجندي أنَّ محبَّة النبي ﷺ هي استثمار في المستقبل؛ لأنها تُعيد تشكيل العقل، وتهذِّب السلوك، وتبني إنسانًا يجمع بين الإيمان والعِلم، وبين القوَّة والقِيَم، وبين المشاعر الصادقة والعمل المسئول؛ لذلك نجد أنَّ محبَّة الصحابة للنبي ﷺ بلغت منزلة جعلتهم يرون حياتهم مرتبطة بهديه ورسالته، ومِن ذلك: ما ورد عن أحد أصحابه حين عبَّر عن استعداده لتحمُّل أشد الأذى مقابل ألَّا يصيب رسولَ الله ﷺ أدنى أذًى؛ بما يعكس عمق المحبَّة التي غرسها النبي ﷺ في نفوس أصحابه؛ حتى أصبح حبُّهم له مرتبطًا بحماية رسالته والوفاء لها، كما تجلَّت هذه المحبَّة في موقف امرأة من بني دينار فقدت زوجها وأباها وأخاها في غزوة (أُحُد)، فلما أُخبرت بذلك لم تسأل عنهم؛ وإنما سألت عن رسول الله ﷺ، فلمَّا رأته قالت: «كل مصيبة بعدك جلل»، وهو ما يؤكِّد أنَّ النصر يبدأ من القلب، وأنَّ التحضُّر يبدأ من القِيَم، وأنَّ محبَّة النبي ﷺ هي التي تستقيم بها الأخلاق، وتصفو بها النيَّات، ويقوى بها اليقين؛ فمن أحبَّه اتَّبعه، ومن اتَّبعه اهتدى، ومن اهتدى ثبت، وظلَّت سيرته ﷺ عبر التاريخ مصدرًا للوعي والاعتدال، وحصنًا للأمَّة في مواجهة الغلو والانحراف.

واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة بتأكيد أنَّ حاجة الأمَّة اليوم إلى ترسيخ محبَّة النبي ﷺ في القلوب أصبحت أكبر من أي وقت مضى؛ لما لهذه المحبَّة من أثر في بناء الوعي، وتكوين الإنسان المتوازن، وحماية الإيمان من التبدُّل والاضطراب، وإبقاء الدِّين حاضرًا في النفوس والسلوك والواقع، مشيرًا إلى أنَّ الأزهر الشريف يعلِّم أبناءه أنَّ محبَّة النبي ﷺ هي أدب يظهر في السلوك، وأثر ينعكس على الأخلاق والمعاملات، واتِّباع صادق يمثِّل البرهان الحقيقي عليها؛ لأنَّ المنهج الأزهري يقدِّم المحبَّة النبويَّة في صورتها الوسطيَّة التي تجمع بين صفاء القلب ووعي العقل، بعيدًا عن الغلو والانفعال، بما يربط الأمَّة بسيدنا رسول الله ﷺ رباطًا قائمًا على الوعي والبصيرة، ويحصِّنها من القسوة والتطرُّف والانحراف.

زر الذهاب إلى الأعلى