خطيب الجامع الأزهر: الإسلام دعوة للعبادة والقيادة وأمته لا ترضى بالدون ولا تستسلم للظروف
ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر فضيلة الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، تحت عنوان “أمة الأكابر”، موضحا أن الإسلام الذي ندين به لا يعني استسلاما للظروف، ولا يرضى بالدونية، أو التواكل والكسل، بل الإسلام في جوهره دعوة للعبادة والعمارة والقيادة والسيادة، وهذه الرباعية، لا يقوم بها إلا رجال لهم همة عالية كالجبال، فلا يناسب مقاصد الإسلام أشباه الرجال ولا أنصاف الرجال، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع معيار الشرف الإنساني بقوله: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»، وهذه الكلمات تمثل ستورا لحركة النفس الإنسانية، وميزان يزن به الحق تبارك وتعالى منازل الرجال، وأقدار الأمم، واستحقاق الحضارات للبقاء أو الفناء، مبينا أن معالي الأمور هي كل همة كبيرة تنشد التمام، وكل عمل يبتغي الإتقان، وكل خلق يتسامى بالمرء عن الضغائن والصغائر والتوافه، وهي العقول التي تفكر في كشف غوامض الكون لمصلحة البشرية، والأنفس التي تتألم لآلام الآخرين فتبني وتسعف، والأيدي التي تزرع وتصنع وتكتب وتبتكر، والأخلاق التي تعفو عند القدرة، وتعدل في ساعات الغضب، بينما السفساف هو الرديء من كل شيء، والهمم التافهة، والأفكار الصغيرة، والرضا بالجهل مع إمكان التعلم، والقبول بالتبعية والهوان مع إمكان الاستقلال، والارتياح للكسل تحت شعارات الزهد المغشوش، لذلك فإن المولى الله عز وجل لا يرضى لأمة تلقت أنوار الوحي أن تكون في ذيل القافلة، ولا لأمة الرسالة أن تجتر أمجاد ماضيها وهي غارقة في بؤس حاضرها، كما أن الله يحب العقول الكبيرة، والهمم الكبيرة، والأخلاق الكبيرة، والمشروعات الكبيرة، ويمقت الضآلة والصغار والسطحية.
وقال الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية إن الأكابر في فلسفة القرآن هم “أكابر الهمة، وأكابر الخلق، وأكابر العمل”، الذين لا تقف همتهم عند حدود أقدامهم، ولا ينتهي نشاطهم بإشباع رغباتهم وملذاتهم، بل ينظر أحدهم إلى العالم من حوله فلا يطيق أن يرى جحراً من الجهل إلا ويسعى لينوره، ولا بؤرة من الفقر إلا ويحاول أن يسدها، ولا ثغراً من ثغور الأمة إلا ويقف لحمايته ببدنه وفكره، لذلك فإن من خصال هؤلاء الأكابر، أنهم ينزهون نفوسهم عن صغائر الخصومات، فإذا اختلفوا لم يتجاوزوا الأدب، وإذا خاصموا صحبوا الشرف، وإذا قدروا عفوا وصفحوا، قال الله تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}، وتجدهم في العمل أهل الإتقان، فالكبير في عمله هو العالم الذي يتعمق في علمه حتى يتسلق ذراه، والصانع الذي يجوّد منتجه حتى يعز نظيره، والمزارع الذي يحرث الأرض بيقين، والموظف الذي يعتبر مكتبه ميدانا من ميادين جهاد، فلا يسرق من وقت الناس دقيقة، ولا يؤجل عمل اليوم إلى الغد، فهم أهل “الصناعة المحكمة” و”الفكر العميق” و”البناء المتين”، لذلك علينا تأمل الأجيال التي تربت في مدرسة النبوة، ن درك أنهم فهموا الدين تكليفاً يتطلب أقصى درجات الطاقة البشرية، فتحولت نفوسهم إلى نفوس تواقة للمعالي، تحتقر الدون، وتأبى إلا أن تجعل كلمة الله هي العليا.
وأوضح فضيلة الدكتور محمود الهواري أن تاريخ الأمة حافل بنماذج الأكابر الذين تجلت في مواقفهم صلابة الإيمان، وعلو الهمة، واستشعار عظمة المسؤولية، وفي مقدمتهم الصديق رضي الله عنه، عندما ارتدت بعض قبائل العرب، ورأى بعض من حوله أن يلين أو يهادن حتى تمر الأزمة، فقال في صلابة الأكابر: «أينقص الدين وأنا حي؟!»، فهذه ليست عبارة عابرة، وإنما هي دليل على قلوب الأكابر كيف تحس وتشعر، وبرهان على عقولهم كيف تفكر، وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ينفق على جيش العسرة؟»، فجاء عثمان بما عنده من مال فصبه في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال عنه: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم»، ومنهم مصعب بن عمير، فتى مكة المدلل الذي كان يرفل في النعيم والأطياب، فلما أسلم واستقر الدين في قلبه استصغر النعيم العاجل، واستشعر عظمة الرسالة، ومضى إلى المدينة المنورة يفتحها، ليس بالسيف، وإنما بالخلق الرفيع، والحجة الساطعة، والهمة العالية، حتى لم تبق دار في المدينة إلا ودخلها الإسلام على يديه، ومن هؤلاء الأكابر عمر بن عبد العزيز، الذي حين تسلم الخلافة شغلته أحوال الناس، فقيل له: لو استرحت قليلًا؟ فقال: «أين الاستراحة؟ إن رقدت بالنهار أضعت أمور الناس، وإن رقدت بالليل أضعت حظي من الله! فكيف بالنوم بين هذين؟!»، وكذلك علماء الأمة العظام الذين ضربوا أروع النماذج في علو الهمة، ومنهم الإمام الشافعي وابن جرير الطبري.
وحذر الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، من واقع استبدل فيه كثير من المسلمين بمعالي الأمور سفسافها، وبالهمم العالية هممًا ساقطة، وبالجدية الصارمة عبثًا مقيتًا، حيث أصبح الاهتمام بالصورة مقدمًا على الجوهر والحقيقة، وانقلبت الموازين حتى صار “التافهون” في مجتمعاتنا نجومًا يشار إليهم بالبنان، يتابعهم الملايين، وتبذل لهم الأموال، وتفسح لهم المجالس، بينما “العالم” و”المفكر” و”المخترع” و”المعني ببناء الأمة” يعيش على هامش الحياة، لا يكاد يأبه له أحد، ومن أبرز مظاهر التعلق بالسفساف سطحية التفكير واختزال الاهتمامات، حيث أصبحت اهتمامات قطاعات واسعة من الشباب والأبناء تنحصر في تفاصيل الاستهلاك، وأخبار الفضائح والشائعات، واستنزفت الطاقات الذهنية والنفسية في ألعاب إلكترونية ومتابعات فارغة على منصات التواصل الاجتماعي، حتى جمدت العقول عن التفكير، وغابت القدرة على القراءة الجادة والتحليل العميق والإنتاج المبتكر، وغابت كذلك الأسئلة الكبرى حول إصلاح التعليم، والاستغناء عن واردات الأعداء، وبناء النهضة العلمية، كما حذر من شيوع الأخلاق الهابطة والدناءة في الخصومة، وتحول الخصومة الفكرية أو الشخصية إلى معركة لتصفية الحسابات بالكذب والبهتان، وتتبع العورات، ونشر التسجيلات، والتحريش بين الناس، إلى جانب ضعف الإنتاج والرضا بالتبعية، وتسطيح التدين وتحويله إلى شكل وصورة، مع إغفال أصول الدين العظيمة من العدل والكرامة والإنتاج والأخلاق الرفيعة وعمارة الأرض، مؤكدًا أن هذا التسطيح هو أشد أنواع السفساف خطرًا، لأنه يلبس العجز والضآلة ثوب التقوى والورع.
وأكد الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، أن الرضا بالسفساف ليس مجرد خطيئة فردية، بل هو مرض حضاري قاتل، فالأمة التي يكثر فيها أهل السفساف وتقل فيها نسبة الأكابر هي أمة تكتب شهادة وفاتها بيدها، فالدول والحضارات لا تسقط إلا بعد أن يستشري في أبنائها الترف الفارغ، وتصغر الهمم، وتضيع المبادئ، وينشغل الناس بالجزئيات عن الكليات، وقال إن الطريق إلى العودة إلى “أمة الأكابر” ليس غامضًا ولا يحتاج إلى معجزات خارقة، بل إلى إرادة صادقة وخطوات عملية منهجية يتخذها الفرد، وتتبناها الأسر، وتسعى إليها المجتمعات، وفي مقدمتها إعادة تعريف النجاح والقيمة في المجتمع، بحيث يعود التكريم والتقدير لأهل العلم الصادقين، والمبدعين، والمربين، والعمال المخلصين، وأصحاب الأخلاق الشامخة، بدلًا من القدوات الزائفة، ودعا إلى تربية النفس والأبناء على «صناعة الهمة»، وتعويدهم على تحمل المسؤولية، وتعليمهم سير العظماء من العلماء والمصلحين.
وفي ختام الخطبة دعا “الهواري” إلى احترام الوقت ومحاربة الفراغ، وإتقان العمل ورفض الرداءة، والتسامي الأخلاقي ونبذ الخصومات الصغيرة، وتطهير المجتمعات والمجالس من القيل والقال، والحسد، والنميمة، وتتبع العورات، كما وجه نداء إلى الشباب، قائلًا: إنكم لستم نافلة في الوجود، ولستم عالة على الخلق، وإن الأمة تعيش اليوم مخاضًا عسيرًا، وهي بأشد الحاجة إلى عقولكم النيرة، وسواعدكم القوية، وهممكم الشامخة، داعيًا إياهم إلى الابتعاد عن مستنقع الشهوات الهابطة، والإقبال على العلم والبحث والابتكار، وأخذ الكتاب بقوة، مؤكدًا أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، ولا حضارة تبنى بالأماني الفارغة، بل بالعرق، والسهر، والإخلاص لله رب العالمين،