3 أحاديث نبوية.. أخطأ فهمها المتطرفون
د. أيمن الحجار فى رحلة «تصحيح المفاهيم»:
«أُمرت أن أقاتل الناس».. يقتصر على المعتدين فقط.. والدليل «وثيقة المدينة»
«يا معشر قريش لقد جئتكم بالذبح».. يتعلق بحالة خاصة نتيجة اشتداد الأذى على النبي
«إن الله زوى لى الأرض» لا يعنى نشر الإسلام بالقوة
الإسلام أمرنا باحترام الإنسان.. وبناء الأوطان.. والمحافظة على الأكوان
التيارات المتطرفة أحدثت شرخًا كبيرًا فى فهم الشريعة
كتبت- سوسن عبدالباسط:
أكد د. أيمن الحجار، الباحث بجامعة الأزهر، أن محاضرته للطلاب الوافدين فى إطار الدورة العلمية التى عقدتها المنظمة العالمى لخريجى الأزهر، بعنوان «تصحيح المفاهيم»، تدور حول أحاديث أخطأ فهمها المتطرفون، وفيها نوضح الأسباب الموجودة فى منهج المتطرفين وهم يدَّعون العلم، فنقوم بتوضيح المنهج الصحيح للباحثين والطلاب الوافدين التى عبر عنها العلماء منذ القرن الثانى الهجرى وحتى القرن الخامس عشر، ولم يكن هناك خلل فى المنهج العلمى إلا من خلال الجماعات المتطرفة والمتشددة التى خرجت عن صحيح الدين؛ ففرقت المسلمين إلى فرق متنوعة وكفّرت وفسّقت، وهذا بعيد عن صحيح ومنهج الإسلام، الذى أمرنا باحترام الإنسان وبناء الأوطان والمحافظة على الأكوان.
وبسؤاله عن أهم الأحاديث التى تم تفسيرها خطأ.. أجاب أن هناك حديث «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله».. وأكد د. أيمن الحجار، أن النبى الكريم يبيّن فى هذا الحديث أنه أُمر أن يقاتل من اعتدى عليه وعلى الدعوة الإسلامية وأهل الإيمان، ولن يبادر بقتالهم، ولكن المتطرفين فهموا كلمة «أمرت أن أقاتل» على أن لديهم أمرًا أن يقاتلوا ويقتلوا كل من لم يسلم، وهذا يتنافى تمامًا مع الواقع؛ فالرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يعيش فى المدينة وبها اليهود وغير اليهود وأنه أعطاهم عهد الأمان وعمل وثيقة المدينة والتى هى «وثيقة السلام»، وتعد أول وثيقة فى الدنيا للتعايش السلمى مع الآخر.
أضاف أن المتشددين فهموا خطأ أنه لا بد للمسلم أن يُقاتل غير المسلم، وهذا لم يحدث فى شرع الإسلام لا فى القرآن ولا فى السُّنَّة، بل كل هذه المفاهيم خاطئة وغير صحيحة، ووراءها أناس لم يفهموا صحيح الدين ولم يُؤهلوا ولم يدرسوا علوم الشريعة وليس لديهم الأدوات العلمية المؤهلة لفهم النص الشريف.
أشار إلى أن هؤلاء المتطرفين فهموا الشريعة حسب أيديولوجيتهم التى يقتنعون بها، ولم يفلحوا فى فهم النص، وأحدثوا قلاقل فى الأمة، وللأسف منهجهم لم يكن منضبطًا ولا عاقلًا، بل أحدث تشوهات فى العلاقات الاجتماعية بين الناس، بل بين الأب وابنه وبين الأخ وأخيه؛ فحدث انشقاق بين الأسرة والأمم والمجتمعات والدول.. لافتًا إلى أن الإسلام هو منهج الوسطية الذى يجمع ويوحد الناس، ويحقن الدماء ويحافظ على الإنسان، ويدعو إلى الرحمة والمحبة والتعليم، ولذلك انتشر فى الأرض، ودخل الناس فى دين الله أفواجًا بسبب التعاملات الطيبة؛ فالإسلام انتشر عن طريق التجار الذين أظهروا أخلاقهم الطيبة فى العمل والبيع والشراء حتى أحدثوا حالة اجتماعية لأن المسلمين بدينهم وأخلاقهم، لا يغشون ولا يخدعون، ويتعاملون باللين وعندهم أمانة، ولكن التيارات المتطرفة أحدثت شقوقًا وشرخًا كبيرًا فى فهم الشريعة.
أضاف أن الحديث الثانى، الذى أساء المتشددون فهمه، عندما قال النبى، صلى الله عليه وسلم،: «يا معشر قريش أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح»؛ حيث ادّعوا أن الإسلام يدعو إلى الذبح، وهذا غير صحيح، فقول النبى الكريم جاء من باب التهديد والدليل أنه ليس من أدبيات الجهاد الذبح، بل جاء الحديث نتيجة اشتداد الأذى على النبى، صلى الله عليه وسلم، عندما جاء عقبه بن أبى معيط ووضع قدمه على رقبة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأراد قتله، ومنها فسر الرسول الكريم الموقف بأنه لو استمر الأذى ستحدث مناوشات تؤدى للقتال والذبح وإراقة الدماء، والدليل على الفهم الخطأ للحديث أن النبى الكريم كان يعيش فى مكة ولا يستطيع أن يصلى فى المسجد الحرام فكيف يذبح الكفار وهم أصحاب البلد ولهم القوة والسلطة وهو معه ضعفاء المسلمين، فليس من المنطق ولا المقبول عقليًا أن يهددهم بالذبح.
أضاف أن الفهم الصحيح للحديث يحتاج الفهم الجيد للغة العربية؛ فهناك ما يسمى «الحقيقة والمجاز»، فعلى سبيل المثال، عندما أقول رأيت أسدًا يخطب معناه أن الخطيب قوى فى خطابه، وليس أسدًا فى الغابة.
أما الحديث الآخر الذى يساء فهمه هو: «إن الله زوى لى الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لى منها» بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أطلع الرسول الكريم على الأرض كلها، وأن الإسلام سينتشر فى الأرض بنهاية الزمان، ولكن المتطرفين فهموا الحديث على أنهم مطالبون
بأن ينشروا الإسلام فى بقاع الأرض بالقوة ويجبروا الناس بالبطش على أن يسلموا.. ولكن النبى الكريم يتكلم عن تنبؤاته لآخر الزمان، ولا يقصد قتل وذبح الناس حتى يدخلوا فى دين الله، كيف ذلك وفى القرآن الكريم: «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، ويقول: «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، ويقول «لا إكراه فى الدين».. والعلماء عندما فسروا الآية قالوا: لا نافية تنفى وجود الإيمان مع الإكراه.. فكيف تمسك سيفًا وتجبر إنسانًا على الإيمان؟! فهذا يكون نفاقًا وليس إيمانًا.
أضاف د. أيمن الحجار: يجب أن ندعو الناس بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة؛ فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نخاطب غير المسلم بالأسلوب اللين وليس بالإيذاء أو العنف، والجماعات المتطرفة أساءت فهم الإسلام ولم تقرأ علوم الشريعة والمنهج السليم.. مشيرًا إلى أهمية الدورات التوعوية التى تعقدها المنظمة العالمية لخريجى الأزهر؛ حيث إنها تساعد فى التوعية الصحيحة؛ فإذا لم تُفند هذه الأفكار المغلوطة، ستسرى فى عقول الشباب، وستكون العواقب وخيمة.