▪️مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا

▪️بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى

▪️مدرس القرآن الكريم بالأزهر الشريف

وَالْمُتَأَمِّلُ فِي أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمِنْهَا :

الْحَجُّ يَجِدُ أَنَّهَا تُخَاطِبُ الْمُسْتَطِيعَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ.

حَيْثُ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى :

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}

[ل عمران: 97]

الْحَجُّ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى :

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ مَالِكًا لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَاجِدًا أَمْنَ الطَّرِيقِ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ الْمَرْأَةِ أَحَدُ مَحَارِمِهَا .

وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ :

بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ .

حَجُّ الْبَيْتِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا

الْحَجُّ وَاجِبٌ وَفَرْضٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَنْزِلَتُهُ مِنَ الدِّينِ أَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ .

وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَاجِبَانِ عَلَى المُسْلِمِ الحُرِّ المُكَلَّفِ القَادِرِ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً عَلَى الفَوْرِ .

«عَلَى الْمُسْلِمِ » :

هَذَا أَحَدُ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْعِبَادَاتُ كُلُّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْعِبَادَةُ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى :

{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ}

[التوبة: 54]

فَالْإِسْلَامُ شَرْطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ .

« الْحُرُّ » :

وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ ، فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ الْعَبْدُ .

« الْمُكَلَّفُ » :

هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ ؛ لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ شَرْطَيْنِ هُمَا :

الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ ، فَالصَّغِيرُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ ؛ وَلَكِنْ لَوْ حَجَّ فَحَجُّهُ صَحِيحٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ رَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ : أَلِهَذَا حَجٌّ ؟

قَالَ : « نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ »

رَوَاهُ مُسْلِمٌ

وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ ؛ وَلَوْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ وَالْحَجُّ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَصْدِ .

« الْقَادِرُ » :

هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْقَادِرُ : هُوَ الْقَادِرُ فِي مَالِهِ وَبَدَنِهِ ، هَذَا الَّذِي يَلْزَمُهُ الْحَجُّ أَدَاءً بِنَفْسِهِ .

الْحَجُّ_وَالْعُمْرَةُ وَاجِبَانِ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ لِأَنَّ اللهَ أَطْلَقَ فَقَالَ تَعَالَى :

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

[آل عمران: 97].

وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْحَجِّ :

أَفِي كُلِّ عَامٍ ؟

قَالَ : الْحَجُّ مَرَّةٌ ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ .

إِلَّا لِسَبَبٍ كَالنَّذْرِ ، فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ :

« مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ »

وَلِأَنَّ الْحِكْمَةَ وَالرَّحْمَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ لَشَقَّ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لَاسِيَّمَا فِي الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ ، وَلَاسِيَّمَا فِيمَا سَبَقَ مِنَ الزَّمَانِ ؛ حَيْثُ كَانَتْ وَسَائِلُ الْوُصُولِ إِلَى مَكَّةَ صَعْبَةً جِدًّا ، ثُمَّ لَوْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كُلَّ سَنَةٍ لَامْتَلَأَتِ الْمَشَاعِرُ بِهِمْ ، وَلَمْ تَكْفِهِمْ مِنَى وَلَا مُزْدَلِفَةُ وَلَا عَرَفَةُ .

إِنَّالِاسْتِطَاعَةَأَنْوَاعٌ_مِنْهَا :

الِاسْتِطَاعَةُ_الْبَدَنِيَّةُ

الَّتِي تَعْنِي سَلَامَةَ الْجَسَدِ عَنِ الْآفَاتِ الْمَانِعَةِ مِنْ أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ .

فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ :

يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ؛ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟

قَالَ : نَعَمْ

الِاسْتِطَاعَةُ_الْمَالِيَّةُ

الَّتِي تَعْنِي الْقُدْرَةَ عَلَى نَفَقَاتِ الْعِبَادَةِ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا لِلْحَجِّ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ حَتَّى يَتَوَفَّرَ لَهُ الْمَالُ .

الْأَمْنُ_وَالْأَمَانُ لِلْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ سَوَاءٌ أَكَانَ أَمْنًا مِنْ عَدُوٍّ ، أَمْ أَمْنًا مِنَ الْأَوْبِئَةِ .

وَلَمَّا كَانَتْ شَعِيرَةُ الْحَجِّ تَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ؛ أَصْبَحَ الْخَطَرُ وَالضَّرَرُ عَلَى حُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ مِنْ أَثَرِ الْأَوْبِئَةِ وَانْتِشَارِهَا وَسَطَ الزِّحَامِ قَوِيًّا ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ النَّاسِ مِنْ أَنْ يُخَاطِرُوا بِأَنْفُسِهِمْ إِلَى التَّجَمُّعَاتِ الْكَبِيرَةِ أَيًّا كَانَ نَوْعُهَا أَوْ مَقْصِدُهَا ؛ لِأَنَّ حِمَايَةَ النَّفْسِ مِنَ الضَّرَرِ وَالْهَلَاكِ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِالْحِفَاظِ عَلَيْهَا .

وَلِذَا كَانَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ الْقَائِمِ عَلَى شَأْنِ الْحَجِّ أَنْ يَتَّخِذَ مِنَ الْإِجْرَاءَاتِ مَا يَضْمَنُ سَلَامَةَ النَّفْسِ كَمَا لِسَائِرِ الدُّوَلِ أَيْضًا أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْإِجْرَاءَاتِ مَا يُؤَمِّنُ مُوَاطِنِيهَا .

حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى :

{وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

[البقرة: 196]

يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِهِ ، وَهُوَ إِخْرَاجُ الْأَمْوَالِ فِي الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إِلَى اللَّهِ ، وَهِيَ كُلُّ طُرُقِ الْخَيْرِ ؛ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَى مِسْكِينٍ أَوْ قَرِيبٍ أَوْ إِنْفَاقٍ عَلَى مَنْ تَجِبُ مُؤْنَتُهُ ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ :

الْإِنْفَاقُ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ جِهَادٌ بِالْمَالِ ، وَهُوَ فَرْضٌ كَالْجِهَادِ بِالْبَدَنِ .

زر الذهاب إلى الأعلى