“العبادات وأثرها في تربية النفس” ندوة لخريجي الأزهر بالمنيا

كتبت- زينب عمار:

أوضح د.محمد عبد الظاهر محمد، نائب رئيس مجلس إدارة فرع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بالمنيا، أن المسلمون يودعون هذه الأيام فريضة الحج والتى أعقبها إخراج زكاة المال الذى هو حق معلوم للسائل والمحروم، ومن هنا أصبح المسلم في حال طاعة مستمرة طوال عامه، فهو دائما مع الله، إما طاعة يومية أو أسبوعية أو سنوية أو في العمر مرة واحدة، حيث أن هذه العبادات تستوعب الكيان البشري كله روحيا وسلوكيا.

أكد أن المسلم لا يعبد الله تعالى بلسانه فحسب، أو ببدنه فقط، بل يعبده سبحانه بلسانه ذاكرا داعيا تاليا، وببدنه مصليا صائما قانتا مجاهدا، وبماله متصدقا باذلا، وبقلبه خائفا راجيا محبا متوكلا، وبعقله متفكرا متأملا، وبحواسه كلها مستعملا إياها في طاعة الله عز وجل، وإذا تعبد الله خلقه بشيء فإنما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم ويقوم اخلاقهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحية والمادية، الفردية والاجتماعية، والدنيوية والأخروية.

أضاف أن الصلاة مثلا ليست مجرد عدد من الركعات يؤديها المسلم وينتهي الأمر عند خروجه من المسجد، بل إن الصلاة هي من أقوى العبادات التي تقوى صلة العبد بربه، وتعود المسلم على النظام وضبط الوقت، وتبعده عن ارتكاب المعاصي، وتطهره من سوء القول وسوء العمل، لقوله تعالى “وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ”، وبالصلاة يشعر المسلم بأنه جزء من المجتمع الذي يعيش فيه، فمن خلال صلاة الجماعة تتوحد الأمة وينتشر التراحم والتعاطف والمساواة بين أفراد المجتمع المسلم، لأن ربهم واحد وقبلتهم واحدة ودستورهم هو القرآن الكريم وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وإنها لحقيقة سيكولوجية أن الاجتماع ينمي قوى الإدراك عند الرجل العادي ويعمق شعوره، ويحرك إرادته إلى درجة لا يعرفها في عزلته ووحدته، وعلى هذا فإن صلاة الجماعة في الإسلام – إلى جانب مالها من قيمة فكرية – تشير إلى الأمل في تحقيق الوحدة الضرورية للبشر كحقيقة من حقائق الحياة، وذلك بالقضاء على جميع الفوارق التي تميز بين إنسان وأخر.

كذلك الزكاة تعد علاجا عمليا بعيد الغاية لضعف النفس وتحصينها من مرض الشح وعبادة المال، والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هي أولا غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعاون والألفة بين شتى الطبقات، لقوله تعالى “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ” فتنظيف النفس من أدران النفس، والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى.

أشار إلى أن الصوم قد شرع الدين الإسلامي الحنيف، فلم ينظر إليه على أنه حرمان مؤقت من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكودة، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، والصيام دعوة إلى ضبط النفس والتحلي بالأخلاق الكريمة، والصبر على تحمل الآخرين، وتزكية للنفس وتطهير للقلب، ومراقبة للرب عز وجل، كما أن صوم رمضان عبادة تلتقي في هدفها مع أهداف القرآن في تربية العقول والأرواح، وتنظيم الحياة، وهو يوحد بين المسلمين في أوقات الفراغ والعمل، وأوقات الطعام والشراب، ويفرغ عليهم جميعا صبغة الإنابة والرجوع إلى الله، ويرطب ألسنتهم بالتسبيح والتقديس ويعفيها عن الإيذاء والتجريح، ويسد عليهم منافذ الشر والتفكير فيه بمحبة الخير والبر لعباد الله، ويغرس في نفوسهم خلق الصبر الذي هو عدة الحياة، وهكذا يريد الله أن يكون الإنسان.

ومن الجدير بالذكر أن الحج لم يشرع لمجرد ذكر الله، ولا لمجرد طواف المسلم منفردا ببدنه حول بيت الله الحرام، ولا مجرد وجوده واكتحال عينه بالمشاهد المقدسة، وإنما شرع الحج ليكون السبيل لجمع المتفرق، ولم المشتت، وتقابل الآراء بالآراء، ثم ليعود المجتمعون وقد حملوا مسؤولياتهم المشتركة، وأخذ كل منهم نصيبه منها، يعمل مع أهله ومواطنيه على تحقيقها والقيام بواجبها في حفظ إنسانيتهم، ورسم طرق سعادتهم وليتكون من جميعهم أمة واحدة، تلك هي المثالية الفاضلة التي أعلى الله شانها ورفع ذكرها وللحج دوره البارز في تحقيق التكافل الاجتماعي، وإطعام الجائعين، والعطف على البؤساء المحرومين من خلال ذبائح الهدى لقوله تعالى “لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ”، فإن العبادات في الإسلام لم تقتصر على الشعائر التعبدية المعروفة من صلاة وزكاة وصوم وحج، بل تشمل كل حركة وكل عمل ترتقي به الحياة ويسعد به الناس، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنية والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومجاهدة الكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والدعاء والذكر، وحب الله تعالى ورسوله، وخشيته لله تعالى والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر والحكمة والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك كله من العبادة، وإن لم يستفد المرء منها بما يزكي قلبه وينقى لبه ويهذب بالله وبالناس صلته فقد هوى.

زر الذهاب إلى الأعلى