النفس البشرية.. مصونة بالتشريعات الإلهية
العلماء:
تهديد حياة الناس من الكبائر.. وتقويم سلوك أبنائنا واجب شرعى ودينى
تشويه القدوة ينشر الانحلال.. ويُزيّف الوعى ويفسد الفطرة
الدين يحرم الانتقاص من أخلاق غير المحجبة.. والاعتداء عليها جريمة
نشر تفاصيل الجرائم ليس من الرحمة.. والخوض فى الأعراض سلوك مرفوض
كتبت- نيرة جمال:
مشاهد مأساوية أصبحت تتكرر، والنهاية واحدة، طرف يفقد حياته غدرًا، تاركًا الحسرات بقلوب ذويه، والطرف الآخر خلف القضبان ينتظر تحقق العدالة والقصاص، تاركًا الحزن والرعب يلتهمان قلوب من حوله، فالعنف أصبح سلاحًا فتاكًا فى مواجهة المجتمع، يستخدمه بعض معدومى الضمير لتحقيق أهدافهم الدنيئة.
أكد د. عبد الفتاح العوارى، عميد كلية أصول الدين الأسبق بجامعة الأزهر الشريف، أن انتشار العنف يرجع إلى غياب دور الأسرة وعدم التنشئة السوية، وعدم فهم البعض للمبادئ الإسلامية بشكل صحيح، وبُعد من يستخدمون العنف عن الدين والقيم والاخلاق.
لفت إلى أن الإسلام حرم ترويع الآمنين؛ فقد ورد عن النبىن صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «مَن حَمَلَ عليْنا السِّلاحَ فليسَ مِنَّا»، فيحرم قتل النفس، التى عصمها الله عز وجل، من الإزهاق؛ فلا يجوز لأحد أن يزهق دم أى نفس بشرية، وإن كانت تقترف ذنوب الدنيا بأسرها، فهناك قضاء بالدولة منوط بإعادة الحقوق لأصحابها، قال تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (الأنعام: 151)، ويقول تعالى أيضًا: «ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا» (الإسراء: 33).
أشار إلى أن الشرع الحنيف نهى عن قتل النفس، ووصف من يقتل غيره بأنه يقتل نفسه، قال تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا» (النساء: 29-30).. موضحًا أن الدين الإسلامى جعل لإزهاق النفس عقوبة رادعة لكل من تسول له نفسه قتل أخيه، قال تعالى: «لَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 179)، وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (البقرة: 178).
أضاف أنه يقع دور كبير على الآباء والأمهات فى تحصين أبنائهم من استخدام العنف كوسيلة لتحقيق أهدافهم، وذلك من خلال تنشئتهم بشكل سوى، وتعليمهم دينهم، وترسيخ القيم والأخلاق بعقولهم، فكل هذه الأمور تمنعهم من استخدام أشكال العنف المختلفة.
حذر كل من تسول له نفسه قتل أخيه، خاصة أنه سيخسر الدنيا والآخرة، قال تعالى: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» (النساء: 73)، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: «الإنسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه».
أوضح أن الإسلام حفظ النَّفسَ، ووضع لهذه الغاية العُظمى منظومة تشريعية مُتكاملة، تقيم مجتمعًا سويًّا فاضلًا.
أضاف أن حياة الإنسان ملك لخالقه سبحانه، والاعتداء على حقّه فى الحياة جريمة نكراء من أكبر الكبائر، سواء أكان الاعتداء من الإنسان على أخيه الإنسان، أو من الإنسان على نفسه بالانتحار
قال د. محمود مهنى، عضو هيئة كبار العلماء،: إن جميع الشرائع السماوية قد حرمت إزهاق النفس، وحرم الدين الإسلامى قتل النفس التى خلقها الله عز وجل، وتوعد من يخالف ذلك بالعذاب الأليم، قال تعالى: «وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا» (الفرقان: 68)، وقال عز وجل: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًاۚ» (المائدة: 32).
أضاف أن غياب الوازع الدينى لدى البعض يعد سببًا رئيسًا فى وجود ظاهرة العنف؛ حيث إن من لديه علم كافٍ بدينه وبحرمة استخدام العنف مع الآخرين لن يتمكن من إزهاق روح خلقها الله، عز وجل؛ لذلك يقع على الآباء والأمهات دور كبير فى الحفاظ على أبنائهم وتعليمهم مبادئ الإسلام الحنيف الذى ينبذ العنف والكراهية، ويحث على التآخى والتعايش السلمى مع الآخرين، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئولٌ عن رعيَّتِه»، وقال، صلى الله عليه وسلم،: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول».
أكد أن الأعمال الفنية التى تحتوى على مشاهد العنف والقتل، وتصوير أصحاب هذه المشاهد وكأنهم أبطال يُحملون على الأعناق، ساهمت بشكل كبير فى وجود مثل هذه الجرائم التى يستخدم فيها القتلة الآلات الحادة فى ذبح الضحية، وطعنها وتمزيق جسدها، وغير ذلك من المظاهر الوحشية الغريبة عن مجتمعاتنا.. شدد على ضرورة زيادة الرقابة على كل ما يشاهده الشباب والفتيات والأطفال، ومنع جميع مشاهد العنف، حتى تقل هذه الجرائم الوحشية.
لفت إلى ضرورة عدم تداول المقاطع المصورة للجرائم الوحشية التى ترتكب فى حق الإنسانية، لكونها تؤذى مشاعر الناس، خاصة أهل الضحية، كما أنه قد يراها أصحاب الضمائر الميتة فينفذون جرائم عديدة بنفس الطريقة التى اتبعها المجرم فى قتل الضحية.
أوضح د. مختار مرزوق، عميد كلية أصول الدين، أن الشريعة الإسلامية السمحاء حرمت كل ما يضر النفس البشرية، ولو كان هذا الضرر بسيطًا، وقد صان الإسلام النفس البشرية التى خلقها الله، عز وجل، وحرم قتلها أو ترويعها؛ لذلك يجب على كل من تسول له نفسه قتل أخيه أن يرتدع عن فعله، لأنه بذلك يخسر الدنيا، حيث سيطبق القصاص العادل عليه، وسيخسر الآخرة، حيث توعده الله، سبحانه وتعالى، بالعذاب العظيم.
أضاف أنه يقع على وسائل الإعلام المختلفة دور كبير فى زيادة توعية المجتمع بأهمية تنشئة الأطفال تنشئة سوية، وحثهم على الرحمة والتسامح فيما بينهم وبين غيرهم، وغرس القيم الدينية بنفوسهم، وذلك حتى يكون لدينا جيل لديه من الإنسانية ما يؤهله لنبذ العنف بجميع أشكاله.. موضحًا أن يقع دور مهم كذلك على المساجد والكنائس فى حث الناس على التراحم والتآخى ونبذ العنف، وبيان حرمة القتل وأذى الغير.
شدد على ضرورة عدم استخدام العنف داخل الأسرة، فتعنيف الأطفال يجعلهم يستخدمونه مع المجتمع بصور مختلفة.
أوضح أن الالتزام بالدين ومعرفة الشرع وعاقبة الكبائر تحجز الإنسان عن الجرائم التى عدّها الإسلام من كبائر الذنوب، وجهالة الدين وغياب الوعى والضمير من أسباب الجرأة على حدود الله وحقوق الناس، وفاعل هذه الجرائم البشعة مُتجرد من كل قيم وتعاليم الدين بل والإنسانية.
قال: لا توجد محنة فى الدنيا تُبرر إزهاق الإنسان روحه، أو أن يعتدى على غيره، بل لكل مِحنة سبيل فرج، وبعد العسر يأتى من الله اليسر، والدنيا دار ابتلاء ومكابدة، والعبد مأمور بالصّبر والعمل، وموعود بالفوز والجنّة، إذا توكّل على ربّه وأحسن الظَّنَّ فيه وأخذ بالأسباب المشروعة.
أضاف أن القصاص من القاتل، حقٌّ عامٌّ للدولة وللمقتول ولأهله وللمجتمع كله، حتى ينتشر بساط الأمن.
أكد أنه يجب توقيع أقصى العقوبات على المُجرمين المُتجاوزين حدود الدين والإنسانية بجرائمهم البشعة، ورؤية الناس لمآلهم ونهايتهم، يزجر عن ارتكاب جرائم مُماثلة، وينشر الأمن وبسط عدالة القانون فى المُجتمع.
طالب بإعادة صياغة المُحتوى الإعلامى بشكل عام، والفنّى بشكل خاص، بما يناسب قيم المجتمع المصرى والعربى وهُوّيّته وثقافته، ويدعم تصحيح المسار السّلوكى لأبنائه، ويعزّز أمن المجتمع واستقراره؛ وهو واجبٌ شرعى ووطنى.
أضاف: لا مبرر لجريمة قتل النّفس مُطلقًا، سواء فى ذلك قتل الإنسان لأخيه الإنسان، أو اعتداء الإنسان على نفسه بإزهاقها، بل إن تبرير الجرائم جريمة كُبرى.
أوضح ان الإسلام كرم المرأة، ووصّى بها سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خيرًا.
أشار إلى أن الخوض فى أعراض المسلمين-لاسيما من توفاهم الله- سلوك مُحرَّم، وإيذاء مذموم للأحياء والأموات، ذمّ الله صاحبه فى القرآن الكريم، فقال سبحانه: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا». (الأحزاب: 58).
أضاف أن الانتقاص من أخلاق المُحجَّبة أو غير المُحجَّبة؛ أمرٌ يُحرِّمه الدِّين، ويرفضه أصحاب الفِطرة السَّليمة، واتخاذه ذريعة للاعتداء عليها جريمة كبرى ومُنكرة.
استطرد: للمجتمع الإيجابى دورٌ واعٍ فى وأد الجرائم، وحسن التّخلص من أجزائه المفسدة المُخرّبة، بالاتحاد والفاعلية والحفاظ على القانون، أما السلبية مع القدرة على منع المعتدى، والاكتفاء بتصوير الجرائم عن بُعد، فأمور تساعد فى تفاقم الجريمة وتجرؤ المُجرمين.
أشار إلى ان تداول مقاطع الجرائم المُصوَّرة، وتكرار نشرها على مواقع التّواصل الاجتماعى ينشر الفزع بين أبناء المُجتمع، ويُنافى قيم الرَّأفة، والرَّحمة، والسِّتر، ومراعاة تألم ذوى الضَّحيَّة، وخُصوصيتها.
أضاف أن تشويه معنى القُدوة ينشر الانحلال الخُلقى، والجريمة، ويُزيّف الوعى، ويُفسد الفِطرة، والنَّماذج السَّيئة فى المُجتمعات التى تروّع الآمنين وتحمل السِّلاح؛ لا يُحتفَى بها، ولا تقدم كأبطال فى المُحتويات الدّراميّة والغِنائيّة، ولا يُتعاطف مع خطئها، بل تُبغَّض أفعالها، ويُحذَّر النَّاس منها.