«احتفالنا إقتداء » بقلم فضيلة الدكتور عبد الرحمن سرحان،عضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف

الحمدُ للهِ رب العالمين، الحمدُ للهِ الواصف نبيه ﷺبأعظم الأخلاق، فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. (القلم: 4)!! ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. وبعدُ:

لقد كان ميلادُ الرسولِ ﷺ ميلادُ نورٍ وخيرٍ وبركةٍ، وهذا النورُ لم يكنْ معنويًّا فحسب، بل كان نورًا حسِّيًّا رآهُ كلُّ الناسِ على السواءِ، ففي ليلةِ مولدِهِ ﷺ رأتْ أُمُّهُ نورًا خرجَ منهَا أضاءَ لهَا قصورَ الشامِ، وقد سُئِلَ ﷺ عن نفسِهِ فقالَ:” أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ”.(سيرة ابن هشام).

ولقد شاهدَتْ اليهودُ هذا النورَ الذي عمَّ الكونَ كلَّهُ، فعَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: إِنِّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، أَعْقِلُ كلّما رَأَيْتُ وَسَمِعْتُ، إِذَا يَهُودِيٌّ بِيَثْرِبَ يَصْرُخُ ذَاتَ غَدَاةٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ. قَالُوا: ويلك مالك؟ قَالَ: طَلَعَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي وُلِدَ بِهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ.” ( دلائل النبوة للبيهقي ).

لقد كانتْ مكةَ في شهرِ ربيعٍ الأولِ مِن عامِ الفيلِ على موعدٍ مع أمرٍ عظيمٍ، إنَّه ميلادُ النبيِّ محمدٍ ﷺ خليلِ الرحمنِ، وصفوةِ الأنامِ، هو أعظمُ الناسِ أخلاقًا، وأصدقُهُم حديثًا، وأحسنُهُم وأكثرُهّم عفوًا، خيرُ مَن وطئَ الثرَى، سيِّدُ ولدِ آدمَ، ﷺ، يقولُ أميرُ الشعراءِ أحمدُ شوقِي :
وُلِدَ الهُدى فالكائناتُ ضياءُ   ……..   وفمُ الزمانِ تَبَسُّمٌ وثناءُ
الروحُ، والملأُ، الملائِكُ حولَهُ  ……..   للدينِ والدنيا بهِ بُشَراءُ
بكَ بشَّرَ اللهُ السماءَ فزينتْ   …….    وتضوعتْ مسكًا بكَ الغبراءُ

لقد اشتهرَ الرسولُ ﷺ بحسنِ الخُلقِ في حياتهِ كلِّهَا قبلَ البعثةِ وبعدَهَا، فكان يلقبُ قبلَ البعثةِ بالصادقِ الأمينِ، وبعدَ البعثةِ المباركةِ كان تصديقُ الوحيِ لهُ مدعاةً لأنْ يطلقَ عليهِ أصحابُهُ «الصّادقُ المصدوقُ»، ونحن نعلمُ قولَ السيدةِ خديجةَ فيهِ لمَّا نزلَ عليهِ الوحيُ وجاءَ يرجفُ فؤادُهُ:” كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ؛ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ”. ( متفق عليه ).
وعن حسنِ خلقهِ كان يتساءلُ الصحابةُ رضي اللهُ عنهم، فعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَلَا سَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ» (أحمد وابن حبان بسند صحيح). وفي روايةٍ أُخرى سُئلتْ أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي اللهُ عنها عن أخلاقهِ فقالتْ:” كان خُلقُهُ القرآنَ” (مسلم)،

إذا كنتَ تريدُ أنْ تكونَ رفيقَ النبيِّ ﷺ في الجنةِ فعليكَ بحسنِ الخلقِ، حيثُ يقولُ ﷺ:” إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا”.

لذا فاحتفالَنَا واحتفاءَنَا بميلادِ الرسولِ ﷺ، هو أنْ نتخلقَ بأخلاقِهِ ونقتدِيَ بهِ ﷺ في كلِّ أقوالِهِ وأفعالِهِ.
فعليكُم أنْ تحسنُوا أخلاقَكُم؛ لتكونَ طريقَكُم إلى الجنةِ برفقةِ حبيبِنَا المصطفَى ﷺ.
نسألُ اللهَ أنْ يُحسِّنَ أخلاقَنَا كمَا حسّنَ خَلقَنَا، وأنْ يجعلَنَا رفقاءَ النبيِّ ﷺ في الجنةِ.

زر الذهاب إلى الأعلى