ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يغوص في أعماق وصية “رفقاً بالقوارير”.. ويؤكد: الرفق ليس مجرد عاطفة بل هو صمام أمان لاستقرار المجتمعات

تحت رعاية الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وضمن سلسلة ملتقيات المرأة التي تهدف إلى ترسيخ الوعي الديني والمجتمعي، عُقدت الندوة الأسبوعية بعنوان “رفقاً بالقوارير.. حقوق وواجبات”. وقد قدم الملتقى رؤية شاملة وتفصيلية لمفهوم “الرفق” في المنظور الإسلامي، وكيف تحولت هذه الوصية النبوية من مجرد كلمات إلى دستور أخلاقي متكامل ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين المرأة ونفسها، وبين المرأة وغيرها.

استفاضت الدكتورة عائشة السيد محمد، أستاذ التفسير وعلوم القرآن، في تحليل الجذور التاريخية واللغوية لوصية (رفقاً بالقوارير)، وأوضحت أن أصل هذه الوصية جاء في لحظة إنسانية رفيعة ، حينما خشي النبي ﷺ على النساء من سرعة سير الإبل، فشبّههن بالقوارير وهي الأواني الزجاجية الرقيقة، وأشارت د. عائشة إلى أن هذا التشبيه يحمل دلالات عميقة، منها : سرعة التأثر، فكما أن الزجاج يخدشه أدنى إهمال، فإن نفس المرأة تتأثر بالكلمة القاسية والتعامل الفظ، وعليها استحالة الجبر بعد الكسر،  في إشارة رمزية إلى أن العنف الجسدي أو المعنوي قد يترك ندوباً في روح المرأة لا تندمل بسهولة، مما يفرض على الرجل الحذر التام في التعامل.

ولم تقصر أستاذ التفسير الوصية على الرجل فحسب، بل أسهبت في بيان أن “الرفق حق متبادل”،  فدعت المرأة إلى أن ترفق بذاتها أولاً، فلا تُحمل نفسها فوق طاقتها في ظل تسارع وتيرة الحياة، كما دعت النساء للرفق ببعضهن البعض، مؤكدةً بلهجة وعظية أن “كم من امرأة كُسرت، وكان السبب في انكسارها امرأة مثلها”، سواء كانت حماة أو أختاً أو صديقة.

من جانبها، قدمت الدكتورة/ دينا سامي، المدرس بقسم التفسير، ورقة عمل مفصلة حول محاور الاستحقاق والكرامة للمرأة في الإسلام، وبدأت بتأصيل قاعدة “المساواة في التكليف والتفاضل بالتقوى”، مستشهدة بقوله تعالى:” وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ”.

وعلى صعيد “الإطناب التحليلي” للمكانة الاقتصادية، أوضحت د. دينا سامي، أن الإسلام خفّض للمرأة جناح الرحمة عبرالاستقلال المالي التام،  فلها حق التملك والبيع والشراء دون وصاية من أحدٍ وكفالة الرزق، حيث أوجبت الشريعة نفقتها على وليها (أباً كان أو زوجاً أو ابناً) حتى وإن كانت من أثرى الناس، وذلك ليتفرغ كيانها لرسالتها السامية في بناء الأسرة دون أن تذلها لقمة العيش، كما فندت المدرس بقسم التفسير، المفهوم الخاطئ للقوامة، مؤكدة أنها “عبء ورعاية” وليست سوطاً للتسلط، وأن البيت المسلم يُبنى على الحب والتعاون والإيثار الذي يرجح الفضل على مجرد الحق القانوني الجاف.

وفي ختام الملتقى تناولت الدكتورة/ حياة حسين العيسوي، الجوانب التطبيقية لرحمة الشريعة بالمرأة، وكيف قلب الإسلام موازين الجاهلية التي كانت تئد البنات جسدياً، ليحرم ذلك ويجعل تربيتهن طريقاً إلى الجنة، وفصّلت د. حياة مظاهر هذه الرحمة في نقاط جوهرية، منها : رفع الحرج البيولوجي، حيث راعت الشريعة الفطرة النفسية والجسدية للمرأة، فخففت عنها في العبادات (كالإعفاء من صلاة الجماعة والجهاد) مراعاة لمهامها الكبرى.

 ومنها: الحماية من الكراهية، مستشهدةً بالحديث النبوي “لا يَفْرَك مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً”، موضحة أن النبي ﷺ وضع قاعدة ذهبية لاستمرار البيوت، وهي التركيز على الجوانب الإيجابية في الشخصية والتغاضي عن الهفوات.

وأشارت الباحثة بالجامع الأزهر إلى أن “الرفق” هو الباب العظيم للخير، وأن البيوت التي تُدار بالقسوة هي بيوت آيلة للسقوط أخلاقياً واجتماعياً، ووجهت نداءً لكل أم بأن تربي أبناءها على لين الجانب ؛ لأن الأم التي تزرع الرفق في ابنها اليوم، هي التي تصنع منه زوجاً رحيماً وأباً باراً ومعلماً مربياً في المستقبل”.

وينبغي على الأم أن تغرس في ابنتها منذ نعومة أظفارها مراقبة الله والاهتمام بنفسها وبمن حولها ؛ حتى تعدها  لمهمتها العظيمة وهي كونها أماً صالحاً وزوجة عاقلة حكيمة تنشيء أجيالاً صالحة تنهض بهم المجتمعات.

زر الذهاب إلى الأعلى