نائب رئيس خريجي الأزهر يلقي محاضرة ضمن برنامج الترسيخ العلمي لشباب الباحثين

ضمن فعاليات برنامج الترسيخ العلمي الموجه لشباب الباحثين، والذي تنظمه هيئه كبار العلماء بالأزهر الشريف بالتعاون مع جامعة الأزهر، قام فضيلة الدكتور الأستاذ الدكتور سلامة داوود، رئيس جامعة الأزهر، نائب رئيس خريجي الأزهر، بإلقاء محاضرة علمية ماتعة شرح فيها باب: التشبيه الحقيقي والتشبيه التمثيلي من كتاب أسرار البلاغة لعبد القاهر الجُرجاني، وأوضح فضيلته أن : المثل الحقيقي، والتشبيه الذي هو الأولى بأن يسمَّى (تمثيلًا) لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح، هو ما تجده لا يحصل إلَّا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر، حتى إنِّ التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليًّا محضا، كانت الحاجة إلى الجملة أكثر؛ وضرب فضيلته مثالًا لذلك من خلال استقراء قوله تعالى:﴿ إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾[يونس: 24]، حيث أوضح أن في هذه الآية عشر جمل إذا فُصَّلت، وكل جملة منها ذات معنى مستقل، لكن قد دخل بعضها في بعض حتى كأنها جملة واحدة، فإن ذلك لا يمنع من أن تكوِّن صور الجُمل معنا حاصلة تشير إليها واحدة واحدة. ثم إنَّ الشبه منتزع من مجموعها، من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، وإفراد شطر من شطر، حتى إنك لو حذفت منها جملة واحدة من أيّ موضع كان، أخلَّ ذلك بالمغزى من التشبيه.ومن ثم يخلُّ بمراد الله عز وجل من هذه الصورة التمثيلية التي تبين ضعف البداية ثم النمو والزيادة، والارتقاء، والتمام، وكمال الزخرف، ثم النهاية، أو بعبارة ابن يعقوب المغربي: « أن الشيء يبتدأ ضعيفًا ثم يزداد حتى يكون معجبًا يغتر به من رآه، ويرى تمكن الانتفاع به، ثم يطمئن إليه، ثم يقطعه عنه ويجتثه» في صورة تركيبية عالية جدا، وبيَّنَ فضيلته كلام المصنف بشكل تطبيقي من أنه لا ينبغي أن تعدَّ الجمل في هذا النحو بعدِّ التشبيهات التي يضمُّ بعضها إلى بعض، والأغراض الكثيرة التي كل واحد منها منفرد بنفسه، بل بعدِّ جُمل تنسق ثانية منها على أوَّلة، وثالثة على ثانية، وهكذا، وأن إدراك وجه الشبَّه من الصورة المركبة يسمى (زبدة الصورة).
وقد يجيء الشيء من هذا القبيل يتوهَّم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد وتستعمل بنفسها تشبيها وتمثيلا، ثم لا يكون كذلك عند حسن التأمل، مثال ذلك قوله: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة … فلما رجوها أقشعت وتجلّت
هذا مثل في أن يظهر للمضطرِّ إلى الشيء، الشديد الحاجة إليه، أمارة وجوده، ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة ترح [حزن]وقد يمكن أن يقال: إن قولك: (أبرقت قوما عطاشا غمامة)، تشبيه مستقلّ بنفسه، لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة المقصود الذي هو ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة، إلّا أنه وإن كان كذلك، فإن حقّنا أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه. ونحن نعلم أن المغزى أن يصل ابتداء مطمعا بانتهاء مؤيس، وذلك يقتضي وقوف الجملة الأوّلة على ما بعدها من تمام البيت. ووزان هذا أن الشرط والجزاء جملتان، ولكن الجرجاني يقول: إنِّ حكمهما حكم جملة واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى