في ملتقى المرأة بالجامع الأزهر: البيوت الآمنة تُبنى بالطاعة والتكامل وترسيخ القيم القرآنية
أكدت المشاركات في الملتقى الأسبوعي للمرأة بالجامع الأزهر أن استقرار الأسرة وأمنها لا يتحققان إلا بالالتزام بمنهج الله تعالى، وفهم الحقوق والواجبات المتبادلة بين أفراد الأسرة، وترسيخ قيم الطاعة والمودة والرحمة، مشددات على أن القرآن الكريم رسم منهجًا متكاملًا لبناء البيوت الآمنة وحماية المجتمع من أسباب التفكك والانحراف.
جاء ذلك خلال الملتقى الأسبوعي للمرأة، الذي عقده الجامع الأزهر الشريف تحت عنوان «البيوت الآمنة… في ظلال الطاعة والاستقرار»، بمشاركة الأستاذة الدكتورة سمحاء عبد المنعم، رئيس قسم الفقه بجامعة الأزهر، والدكتورة لمياء محمود الوكيل، المدرس المساعد بقسم التفسير وعلوم القرآن الكريم بجامعة الأزهر، والدكتورة سناء السيد، الباحثة بالجامع الأزهر، وذلك في إطار البرامج الدعوية والتوعوية التي ينظمها الجامع الأزهر لترسيخ القيم الإيمانية وتعزيز الوعي الديني لدى المرأة.
وأكدت الأستاذة الدكتورة سمحاء عبد المنعم أن الأسرة في الإسلام تقوم على مبدأ التكامل لا التنافس، موضحة أن استقرار الحياة الزوجية لا يتحقق بمجرد مطالبة كل طرف بحقوقه، وإنما بفهم الحقوق والواجبات المتبادلة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، مؤكدة أن الزواج ميثاق غليظ شرعه الله لتحقيق السكن والمودة والرحمة، وليس ساحة للصراع أو إثبات الذات.
وحذرت من بعض الخطابات المعاصرة التي تُرفع باسم الدفاع عن المرأة، بينما تؤدي في واقع الأمر إلى زعزعة استقرار الأسرة، ومن ذلك تصوير المشاركة في شؤون البيت على أنها انتقاص من المرأة، أو تصوير القوامة باعتبارها سلطة استبدادية، أو الدعوة إلى مساواة تلغي الفطرة والتكامل بين الزوجين، مؤكدة أن هذه المفاهيم تخالف مقاصد الشريعة في بناء الأسرة.
وأوضحت أن وصف القرآن الكريم للزوجة بـ”الصاحبة” يعكس طبيعة العلاقة الزوجية القائمة على الأنس والمودة، مشيرة إلى أن حسن العشرة، ولين الجانب، والتغافل عن الزلات، والبعد عن كثرة اللوم والمقارنات، كلها من أسباب دوام الألفة واستقرار البيوت.
وأضافت أن حسن التبعل لا يقتصر على أداء الحقوق الواجبة، وإنما يشمل حسن المعاشرة، وفهم طبيعة الزوج، والتعامل بحكمة مع الفروق الفطرية بين الرجل والمرأة، مؤكدة أن طاعة الزوج في غير معصية الله التزام شرعي يحقق استقرار الأسرة، وأن القوامة مسؤولية قائمة على الرعاية والإنفاق وحسن القيادة، وليست امتيازًا أو وسيلة للتسلط.
واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن الأسرة المستقرة مسؤولية مشتركة بين الزوجين، وأن البيوت الآمنة تُبنى عندما يؤدي كل طرف ما عليه ابتغاء مرضاة الله، فتسود المودة والرحمة، وينشأ الأبناء في بيئة صالحة تُخرج أجيالًا قادرة على بناء مجتمع متماسك.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة لمياء محمود الوكيل أن سورة النور تُعد من أعظم السور القرآنية في بناء الفرد والأسرة والمجتمع، لما اشتملت عليه من الأحكام والآداب والتوجيهات التربوية التي ترسخ الأخلاق الكريمة وتحمي المجتمع من أسباب الانحراف، مبينة أن الربع الأخير من السورة يمثل خاتمة تربوية متكاملة ترسم معالم «البيوت الآمنة في ظلال الطاعة والاستقرار».
وأوضحت أن آيات هذا الربع تناولت حقيقة الإيمان والطاعة الصادقة لله ورسوله ﷺ، وكشفت صفات المنافقين، كما تضمنت وعد الله تعالى للمؤمنين بالاستخلاف والتمكين متى تحقق الإيمان والعمل الصالح، فضلًا عن بيان جملة من الآداب الاجتماعية التي تحفظ تماسك المجتمع.
وأشارت إلى أن السورة أولت عناية خاصة بآداب الاستئذان داخل البيوت، حفاظًا على الخصوصية وصيانةً للعورات، كما أرست آداب التعامل بين أفراد الأسرة، ويسرت على كبار السن من النساء، ورفعت الحرج في بعض شؤون الطعام، ورسخت قيمة إلقاء السلام عند دخول البيوت، إضافة إلى بيان آداب التعامل مع القيادة، وتعميق استشعار مراقبة الله تعالى في السر والعلن.
وفي ختام كلمتها، دعت إلى التحلي بأدب القرآن الكريم، والتمسك بقيمه في بناء الأسرة والمجتمع، سائلة الله تعالى أن يرزق الأمة الأمن والاستقرار، والهداية والعفاف والإخلاص.
وفي السياق ذاته، تناولت الدكتورة سناء السيد عددًا من الوقفات التدبرية في الربع الأخير من سورة النور، موضحة أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ يؤكد أن الإسلام لا يريد مظاهر التدين والشعارات، وإنما يريد الطاعة الصادقة التي تظهر في واقع الحياة وسلوك الإنسان.
وأضافت أن قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ… وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ يرسخ مبدأ المسؤولية الفردية، ويؤكد أن الهداية ثمرة للطاعة والامتثال، لا تتوقف على تصرفات الآخرين أو ظروف الواقع.
كما أوضحت أن وعد الله تعالى بالاستخلاف والتمكين للمؤمنين يرتبط بالإيمان والعمل الصالح، مؤكدة أن طهارة المجتمع، وعفة المرأة، واستقرار الأسرة، تمثل الأساس الحقيقي لأي نهضة أو تمكين، وأن الأمن والسكينة ثمرة طبيعية للإيمان الصادق.
وأشارت إلى أن آيات الاستئذان لم تعد مقصورة على دخول البيوت، وإنما ينبغي أن يمتد فهمها ليشمل ما أسمته بـ”الاستئذان الرقمي”، من خلال احترام خصوصيات الآخرين وعدم اقتحامها عبر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن مقاصد الشريعة في حفظ الحرمات ثابتة مهما تغيرت الوسائل.
كما تناولت ما اشتملت عليه السورة من تيسير على القواعد من النساء، ورفع الحرج عن أصحاب الأعذار في آداب الطعام، وغرس قيمة السلام عند دخول البيوت باعتباره تحية مباركة من عند الله، قبل واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الإيمان الحق يقترن بالانضباط واحترام النظام العام، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾، داعية إلى استحضار هدي سورة النور في واقع الحياة، وبناء الأسر على الطاعة والعفاف والاستقرار.