أسرار البلاغة.. محاضرة للدكتور سلامة داود لأعضاء الهيئة المعاونة بكليات جامعة الأزهر بهيئة كبار العلماء
من فاعليات برنامج الترسيخ العلمي، في العلوم العربية والشرعية، والذي تعقده وتشرف عليه هيئة كبار العلماء بمشيخة الأزهر الشريف، للسادة أعضاء الهيئة المعاونة بكليات جامعة الأزهر، ألقى فضيلة الأستاذ الدكتور/ سلامة داود، أستاذ البلاغة والنقد، رئيس جامعة الأزهر، نائب رئيس مجلس خريجي الأزهر، محاضرة علمية في كتاب أسرار البلاغة للشيخ عبد القاهر الجرجاني.
واصل فيها الحديث عن أقطاب الكلام التي يرتكز عليها البليغ في إظهار المعاني التي رامها، ومن تلك الأقطاب التشبيه والتمثيل، فعن طريقِهِمَا تظهر المعاني المُجردة التي تدور في فلك العقول، في صور محسوسة تراها وتأنس بها الأبصار والعيون.
- ولا بد من ذكر الطرف الثاني من طرفي التشبيه، وهو المشبه به، فهو عُمدة لا يسوغ حذفه بحالٍ؛ لأنه المقصود الذي أمَّه البليغ ليكشف به عن مكنون المشبه، أما المشبه فقد يُطوي من الكلام لدلالة السياق كما في قوله – عزَّ وعلا -: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} فالمسند إليه وهو المشبه محذوف تقديره: هم، قال العلّامة الطاهرُ بن عاشور: وَالْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، شُبِّهُوا فِي انْعِدَامِ آثَارِ الْإِحْسَاسِ مِنْهُمْ بِالصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ…، فَالْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْأَصَمِّ الْأَبْكَمِ الْأَعْمَى، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى التَّوْزِيعِ، فَلَا يُفْهَمُ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَالْأَصَمِّ ،وَبَعْضَهُمْ كَالْأَبْكَمِ، وَبَعْضَهُمْ كَالْأَعْمَى.
- قال الشيخ عبد القاهر: واعلم أن «المثل» قد يضرب بجُمَل لا بدّ فيها من أن يتقدّمها مذكور يكون مشبّها به، ولا يمكن حذف المشبّه به والاقتصار على ذكر المشبّه، ونَقْل الكلام إليه حتى كأنه صاحب الجملة ومن بديع أمثلة ذلك قول النبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( النّاس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) لا بُدّ فيه من المحافظة على ذكر المشبّه به الذي هو [الإبل]، فلو قلت: [الناس لا تجد فيهم راحلة] أو [لا تجد في الناس راحلة]، كان ظاهر التعسّف…، والتشبيه النبوي يُشير إلى أن الناس حولك كثير عديد الحصى، بَيْدَ أنك لا تكاد تجد فيهم خِلًا وفيًّا تعتمد عليه عند المُلِمَّات والنوازل، كحال الإبل الكثيرة التي لا تكاد تجد فيها راحلة نجيبة، تجوب البيداء وتقطع الفيافي وقت السفر الشاق، قال العلماء: إنه – أي المنظم النبوي – يشير إلى قِلّة من يتحمل عنك التبعات، ويقوم مقام نفسك وقت الملمات، وهذا من جوامع كلمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- ومما لا يسوغ فيه حذف المشبه به قوله – عزّ وجلّ -: {إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ} قال شيخ البلاغة: لو أردت أن تحذف [الماء] الذي هو المشبّه به، وتنقل الكلام إلى المشبّه الذي هو [الحياة]، أردت ما لا تحصل منه على كلام يعقل؛ لأن الأفعال المذكورة المحدّث بها عن الماء، لا يصحّ إجراؤها على الحياة فاحفظ هذا الأصل فإنك تحتاج إليه، وخصوصا في الاستعارة.
- الجملة بعد المشبه حصرها الشيخ عبد القاهر في ثلاثة أضرب، وهذا الشيخ الجليل لا يقول هذا الكلام جزافا، وإنما بعد فَلْيٍ واستقراء لكلام العرب شعرا ونثرا:
أحدها: أن يكون المشبّه به معبّرا عنه بلفظ موصول، وتكون الجملة صلة، كقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ} ولا بُدَّ من الاعتداد بجملة الصِّلة في فهم مَرْمَى الكلام، لأن الموصول مُبهم لا يتضح بدونها، وقوله: [اسْتَوْقَدَ] تصور رحلة شاقة وجهد مُضنيا من المنافقين في طلب الوقود، فَهُم في بيداء الكفر، وبعدما استضاءوا بنور الإيمان، وأبصروا سُبُلَ الهداية انتكسوا ورجعوا القهقرى، وقوله: { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ } وَاخْتِيَار لفظ النُّور فِي قَوْله تَعَالَى: {ذهب الله بنورهم} دون الضَّوْء وَدون النَّار؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِيقَادِ، والتقييد بحرف الجر في قوله: [بنورهم] أفاد المصاحبة وأنه لم يبق من النور شيئا، قال الطاهر بن عاشور: وَ [ذَهَبَ] الْمُعَدَّى بِالْبَاءِ أَبْلَغُ مِنْ [أَذْهَبَ] الْمُعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، وَهَاتِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعْدِيَةِ بِالْبَاءِ نَشَأَتْ مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ، لِأَنَّ أَصْلَ ذَهَبَ بِهِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُمَا ذَهَبَا مُتَلَازِمَيْنِ، فَهُوَ أَشَدُّ فِي تَحْقِيقِ ذَهَابِ الْمُصَاحِبِ،…
والثاني: أن يكون المشبّه به نكرة تقع الجملة صفة له، وذلك كالتشبيه النبوي الآنف الذكر….
والثالث: أن تجيء مُبتدأةً، وذلك إذا كان المُشبّه به معرفة، ولم يكن هناك [الذي]، كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً} والتمثيل في الآية يُصَوّر ضعيفا يلوذ بمن هو أضعف منه، والعنكبوت مَثَلٌ في الوهن، وبيتها فَقَدَ مقومات البيوت، فهي تأكل زوجها، ثم يأكلها أبناؤها، فبيتُها فضلا عن وَهَنِ خيوطه، فَقَدَ قُوّةَ وتماسك أفراده!! وهكذا كل من دعا واستجار بغير الله، فهو ضعيف استجار من الرمضاء بالنار… هذا وبالله التوفيق.