ملتقى السيرة النبوية بالجامع الأزهر: أم سلمة رضي الله عنها نموذج للثبات والعلم وحسن الرأي

واصل الجامع الأزهر عقد اللقاء الأسبوعي لملتقى السيرة النبوية، الذي جاء هذا الأسبوع تحت عنوان: “من نساء النبي ﷺ: السيدة أم سلمة رضي الله عنها”، وذلك بحضور كل من: أ.د عبد المنعم سلطان، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق- جامعة المنوفية، و أ.د نادي عبد الله، أستاذ الحديث وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة- جامعة الأزهر، وأدار الملتقى الدكتور علاء عرابي، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.

في بداية الملتقى، قال فضيلة الدكتور عبد المنعم سلطان، إن أم سلمة رضي الله عنها تحملت من المشاق في سبيل الدعوة والتمسك بالإسلام ما يعجز عن وصفه الكلام؛ فقد هاجرت الهجرة الأولى إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة رضي الله عنه، ثم لما أرادت الهجرة إلى المدينة منعها قومها، وفرقوا بينها وبين زوجها وولدها، فحبست ومنعت من اللحاق بهما، وأخذوا منها وليدها، وظلت على ذلك مدة من الزمن حتى فرج الله عنها، ثم هاجرت إلى المدينة والتحقت بزوجها، وهذا الموقف يجسد حقيقة الثبات على الدين، وأن الإيمان الصادق لا يسقط أمام شدة الابتلاء ولا يتراجع صاحبه أمام المشاق، كما أن سيرتها تقدم للأجيال نموذج حي في الصبر والثبات، وتعلم المسلم أن طريق الحق قد تكتنفه المشقة، إلا أن الثبات عليه هو عنوان صدق الإيمان، وما يقدمه الإنسان من تضحيات في سبيل عقيدته ومبادئه لا يضيع عند الله تعالى.

وأضاف فضيلة الدكتور عبد المنعم سلطان، أن أم سلمة رضي الله عنها لم تكن نموذجا في الصبر والثبات فحسب، وإنما كانت كذلك في العلم، فكانت من راويات الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى روي عنها عدد كبير من الأحاديث، وكان بيتها بيت علم ومعرفة، يقصده الصحابة للسؤال والاستفادة، ومن مكانتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشيرها ويأخذ برأيها، كما ظهر ذلك جليا في موقف الحديبية، حين أشارت عليه أن يخرج إلى أصحابه وينحر هديه ويحلق، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم، فبادر الصحابة إلى الاقتداء به، كما ثبت أن جبريل عليه السلام كان يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة رضي الله عنها.

من جانبه، قال فضيلة الدكتور نادي، إن أم سلمة رضي الله عنها ظلت تخرج كل يوم إلى منطقة البطحاء، تبحث عن وسيلة تمكنها من اللحاق بزوجها أبي سلمة رضي الله عنه في المدينة، بعدما فرق أهلها بينها وبين زوجها وولدها، حتى لقيها ذات صباح عثمان بن طلحة ، فسألها: ما شأنك؟ فقالت: أريد أن ألحق بزوجي في المدينة، فقال لها: لأحملنك حتى تلحقي بزوجك، فأخذ بخطام بعيرها وقادها بنفسه حتى أوصلها إلى المدينة، وكان إذا بلغ منزلا أناخ بها، ثم تنحى عنها حتى تنزل، فإذا استراحت ركب بها، وظل معها على هذا الحال حتى بلغ بها المدينة، فلما رأى قرية قباء قال: إن زوجك في هذه القرية، فادخليها، وهذا الموقف يكشف جانبا من عظمة أخلاق العرب قبل الإسلام وبعده، حين حمل عثمان بن طلحة مسؤولية إيصال امرأة وحيدة إلى زوجها، وصانها في طريقها، ولم يجعل اختلاف الدين في ذلك الوقت مانعا من أداء الأمانة وإغاثة من احتاج إلى العون، لتبقى القصة نموذجا في المروءة والوفاء وحفظ الحقوق، وتؤكد أن القيم النبيلة قد تكون جسرا يصل بين الناس في أشد لحظات المحن.

زر الذهاب إلى الأعلى