ملتقى «القضايا المعاصرة» بالأزهر يؤصل لضوابط حرية الفكر وتكامل العقل مع النقل
عقد الجامع الأزهر الشريف، مساء اليوم الثلاثاء، فعاليات ملتقى «الأزهر للقضايا المعاصرة»، تحت عنوان: «حرية الفكر وضوابطها.. رؤية إسلامية»، ونقلته إذاعة القرآن الكريم عبر أثيرها المبارك، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وبحضور فضيلة أ.د. سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر السابق، وفضيلة أ.د. كرم عبد الستار، عميد كلية البنات الأزهرية بالأقصر.
واستهل فضيلة أ.د. سلامة داود كلمته بالتأكيد على أن المتأمل في كتاب الله يدرك جليًّا عناية القرآن الفائقة بالعقل؛ إذ يفيض التنزيل الحكيم بالدعوة الصريحة إلى النظر والتعقل والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، حتى استنبط المفكر الكبير عباس محمود العقاد من هذه الروح القرآنية كتابه الرائد «التفكير فريضة إسلامية»، مشيرًا إلى أن التفكر الصادق ينتهي بالعبد حتمًا إلى التسليم بعظمة الخالق وحكمته في تسيير الأكوان ورعاية الضعفاء كما يرعى الطير في كبد السماء والوليد في مهده، مستحضرًا وعيد النبي ﷺ لمن يتلو آيات التدبر بألسنته دون أن يتدبر دلالاتها العميقة بجنانه.
وأوضح رئيس جامعة الأزهر السابق أن الإسلام قد أطلق العنان للفكر البشري وحماه من الجمود، بيد أنه وضع له ضوابط رشيدة تصونه من الزيغ والانسياق خلف الهوى؛ لافتًا إلى اللطيفة البيانية البديعة التي استنبطها العلامة أبو حيان الأندلسي في تفسيره «البحر المحيط» عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
وبيّن أ.د. سلامة داود أن النص القرآني حث على التفكير الفردي أو الثنائي المتأني (مثنى وفرادى)؛ لأن الحق مظنته الوضوح والظهور حين يخلو الإنسان إلى عقله أو يتحاور بروية مع نظير له، في حين أن الحشود الجامعة والكثرة الغوغائية يغلب عليها الصخب وارتفاع الأصوات، وهو ما يطمس معالم الإنصاف ويضيع الحقائق في غمرة الانفعال والعصبية الجمعية.
من جانبه، أكد فصيلة أ.د. كرم عبد الستار أن التكامل بين «العقول الراشدة» و«النصوص الصريحة» يمثل الركيزة الكبرى في البناء المعرفي الإسلامي؛ فالشريعة بحاجة إلى مدارك واعية تتلقى التكاليف وتستوعب المقاصد، كما أن العقول متفاوتة في قواها وقاصرة بطبيعتها، ولذا فإنها تظل في مسيس الحاجة إلى هداية الوحي لتقويم اعوجاجها وتبصيرها بالطريق الحق حتى لا تستبد بها أهواء الفلاسفة أو نزوات المتأخرين.
وشدد عميد كلية البنات بالأقصر على أن المنهج الأشعري الذي اعتمده الأزهر الشريف عبر تاريخه جسد قمة التوازن والوسطية؛ إذ عصم الفكر الإسلامي من غلو من عطلوا العقل وجمدوا على ظواهر النصوص كالخوارج، ومن شطط من قدموا العقل وحكموه في قطعيّات الوحي كالمعتزلة، محذرًا من الانسياق وراء الشعارات البراقة التي تختزل «الحرية» في التحلل من القيم والضوابط الأخلاقية كما يفعل دعاة المسكرات وتجاوز الحدود الشرعية.
وشهدت رحاب الجامع الأزهر افتتاح الملتقى بتلاوة قرآنية مباركة خاشعة تلاها القارئ الدكتور الشيخ محمود محمد الخشت، كما تخللت الفعاليات فواصل من الابتهالات والمدائح النبوية العطرة شدا بها المبتهل الشيخ مصطفى محمد معوض.
ويُعقد ملتقى «الأزهر للقضايا المعاصرة» برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وبتوجيهات فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر، وإشراف أ.د. عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على الرواق الأزهري، ود. أتى خضر، رئيس قطاع مكتب شيخ الأزهر، ود. هاني عودة، مدير عام الجامع الأزهر؛ لمعالجة المستجدات الفكرية والاجتماعية وتفنيد الشبهات وتأصيل الوعي الديني والمجتمعي، حيث يُقام أسبوعيًّا مساء كل ثلاثاء بالجامع الأزهر الشريف.