الإفتاء: وصف دواء من غير الطبيب عبث بحياة الناس وفساد فى الأرض

قالت دار الإفتاء، إن وصف الدواء للمرضى وتشخيص حالتهم الصحية وتقديم النصح لهم، من اختصاص الطبيب المعالج الذى هو منوط بالكشف والاستفسار عن حالة المريض.

أضافت الدار، فى فتوى لها، تعليقًا على انتشار الكثير من الوصفات الطبية على مواقع التواصل الاجتماعى وغيرها، من قِبل غير المتخصصين فى علاج فيروس “كورونا” المستجد، أنه لا يحق لغير الطبيب – صيدليًّا كان أو غيره- أن يتجاوز مهام عمله ويصف الدواء للمرضى، استنادًا إلى ما جرت عليه عادة الأطباء من وصف أدوية معينة لأعراض معينة، لأنه وإن تشابهت الأعراض، فإن ما يصلح لمريض قد لا يصلح لمريض آخر، ومعرفة هذا الأمر من شأن الطبيب المختص.

وأوضحت الإفتاء، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، حذر من تطبب غير الطبيب وتصدره لعلاج الناس من غير أهلية لذلك، وأخبر أن فاعل ذلك متحمل لتبعات فعله وآثار تصرفه، ولا يشفع له حسن القصد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ ضَامِنٌ”، وفى لفظٍ: “مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالطِّبِّ مَعْرُوفًا، فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا؛ فَهُوَ ضَامِنٌ”.

وأشارت إلى أن وصف غيرِ المختصين لمهنة الطب الأدويةَ للمرضى أو تقديم النصح لهم، هو من باب التكلم بغير علمٍ؛ وقد نهى الله تعالى عن أن يتحدث الإنسان فيما لا يعلم، فقال تعالى: “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا”.

وأضافت الدار، فى فتواها أن مفاسد نشر هذه الوصفات من غير المختصين أكبر من المصالح المزعومة، ولا يشفع فى ذلك حسن القصد، لأن فيه عبثا بحياة الناس يُؤدى إلى الإضرار بصحتهم وأبدانهم، وهذا نوع من الفساد فى الأرض يتنافى مع حرص الإسلام الشديد على حماية الحياة الإنسانية وصيانتها وتحريم الاعتداء عليها، قال تعالى: “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”.

ونوهت إلى أن وصف غير المختصين لتلك الأدوية، هو من الترويج للكذب والباطل فى المجتمع، وقد تظاهرت النصوص الشرعية على تحريم الكذب، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة، منها ما أخرجه البخارى فى صحيحه من حديث ابن مسعود رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صِدِّيقًا، وإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتَب عند الله كذابًا”.

ولفتت دار الإفتاء، إلى أن القانون المصرى رقم 127 لسنة 1955م قد نص فى شأن مزاولة مهنة الصيدلة فى مادته رقم 72 على أنه: “لا يجوز للصيدلى أن يجمع بين مزاولة مهنته ومزاولة مهنة الطب البشرى، أو الطب البيطرى أو طب الأسنان، حتى ولو كان حاصلًا على مؤهلاتها”، فإذا كان هذا الحال مع مهنة الصيدلة التى هى أقرب – من حيث المهنية – إلى الطبيب، فكيف الحال بمن هو خارج عن هذه المهنة مِن عموم الناس!

وشددت الدار، على أنه يجب على الإنسان العاقل أن لا يضع أمر صحة بدنه تحت تَصرفِ كل من تسول له نفسه أن يفقه فى كل شئ، وعليه أن لا يسلم عقله للوصفات الطبية غير الموثوق بها، وعليه أيضًا فى سياق المعالجة الحكيمة عند سماع خبرٍ غير موثوقٍ به أمران أولهما: عدم التهاون أو التساهل فى أمر هذا الخبر، بل اعتباره أمرًا عظيمًا، لما فيه من الوقوع فى إثارة الفتن، لا سيما أوقات الأزمات التى تستدعى أصالةً توافر الجهود من أبناء المجتمع والتفافهم حول التعليمات الرسمية والأخبار الصحيحة فيما يخص هذا الفيروس، وثانيهما: عدم تناقل هذا الخبر بالألسن إلا للتحقق والتثبت والسؤال عن صحة ما سمعه.

وقالت الإفتاء، فى ختام فتواها: “ناشر هذه الوصفات الطبية من غير المتخصصين داخل فى حيز الخطر، ولا يشفع له حسن القصد، فالعبث بحياة الناس والإضرار بصحتهم وأبدانهم نوع من الفساد فى الأرض يتنافى مع حرص الإسلام الشديد على حماية الحياة الإنسانية وصيانتها وتحريم الاعتداء عليه، ووصف الدواء للمريض هو من اختصاص الطبيب المعالج، ولا يجوز لغير الطبيب التجرؤ على وصف دواء لمريض”.

زر الذهاب إلى الأعلى