شهر رمضان المعظم

بقلم : الدكتور / محمد عبد الناصر محمد العنتبلي ـ جامة الأزهر ـ القاهرة

(( هلّ هِلالك يا رمضان الخير والبركة .. يا شهر القرآن والغفران .. ومضاعفة الأجر في الميزان .. ))

يقول الشاعر :

أَهْـلاً وَسَهْلاً بِشَهْرِ الصَّوْمِ وَالذكْرِ     ***                   وَمَرْحَبًا بِوَحِيـدِ الدَّهْـرِ فِي الأَجْرِ

شَهْـرُ التَّرَاويْـحِ يَا بُشْرَى بِطَلْعَتِهِ      ***                   فَالْكَوْنُ مِنْ طَرَبٍ قَدْ ضَّاعَ بِـالنَّشْرِ

ـ شهر الغفران ، و نزول القرآن

ما هي إلا أيام قلائل ، وينبلج في الأفق هلال شهر الله ( ربيع الفقراء ) شهر رمضان المعظم ، فهو الشهر التاسع بين أشهر السنة الهجرية ، شهر الوفاء بفريضة الصيام وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ، يقول الله تعالى في محكم التنزيل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183] ، حيث تتجسد فيه عبادة من أفضل العبادات إلى الله عز وجل وهي عبادة الصوم ، التي شرفها الله بانتسابها إليه ـ سبحانه وتعالى ـ  ففي الحديث الذي رواه أبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ….. الحديث )  .

مع أن من المعلوم شرعاً أن الأعمال كلها لله وهو الذي يجزي بها ، فلماذا خص الله الصوم بذلك ، ونسبه إلى نفسه ؟

ونحن نرى أن في الإجابة على هذا السؤال تكمن الأسرار والدلالات وتفوح الفضائل والعظات ، وتتكشف الخصائص والميزات ، فلشهر رمضان شذا عطر عبق يملأ الأركان ؛ حيث اختصه الواحد الديان بجملة من الخصائص والفضائل ليست لغيره من الأشهر فقد  جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا سبباً لمغفرة الذنوب , كما ثبت في الصحيحين البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” . وفيهما ـ أيضاً ـ عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : ” ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” فهو شهر الغفران ، فيه تُوثق مردة الشياطين وتُقيد ، وتُفتَّح أبواب الفردوس الثمانية ، وتوصد فيه أبواب الجحيم ، فقد جعل الله صيامَ رمضان سببٌ لتكفير الذنوب التي سبقته ، فيمنُّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ على عباده في كل ليلة من ليالي شهر رمضان بأن يجعل منهم عتقاء من النيران .

والمراد هنا بقوله : ( وأنا أجزى به ) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته  فالله ـ سبحانه وتعالى يجازي عليه جزاء كبيراً من غير تعيين لمقداره ، وهذا كقوله تعالى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [ سورة الزمر آية 10 ) . فهو أحب العبادات إلى الله وكفى بقوله : ( الصوم لي ) فضلاً للصيام على سائر العبادات ، كما أن في الإضافة تشريف وتعظيم ، فإننا نقول : بيت الله ، وإن كانت البيوت كلها لله ، إلا أنَّ هذا البيت قد شُرِّف بنسبته إلى الله ـ سبحانه وتعالى .

وقد خصه الله ـ جلَّ في علاه ـ بنزول القرآن الكريم فيه على سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  يقول الله تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) { سورة البقرة  آية  185} نزل في ليلة هي خير من ألف شهر في العبادة ، قال الله تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [سورة القدر : الآيات 1-5]

كما ترجع خصوصية الصوم ومنزلته العظيمة إلى صعوبة وقوع الرياء فيه كما يقع في غيره من الأعمال ، قال القرطبي : لما كانت الأعمال يدخلها الرياء ، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه . وقال ابن الجوزي ـ أيضاً ـ : جميع العبادات تظهر بفعلها وقلّ أن يسلم ما يظهر من شوبٍ ( يعني قد يخالطه شيء من الرياء ) بخلاف الصوم .

وقد خصَّ الله أهله في الجنة بباب من بين أبواب الجنة الثمانية يُسمى ( باب الرَّيَّانِ ) ، يدخل منه الصائمون وهو اسم مشتقّ من الريّ ، الذي هو ضدّ العطش ، فكان اسمه مناسباً لمعناه .


ـ شهر التمحيص ، ومضاعفة الأجر ..

شهر رمضان خير شهر يقف فيه الإنسان مع نفسه متدبراً متأملاً ، ففيه تتضاعف الحسنات ، وتمحى السيئات ، وهو الشهر الذي يخلق في الإنسان نوعاً من الشفافية تصل به إلى أعماق روحه ، وتعطيه دفعة روحانية يظهر أثرها في التعامل مع الآخرين ، لذا يجب أن يكون رمضان شهر مراجعة وتفكير وتأمل وضبط للنفس ومحاسبة للذات ، لأن فيه يعالج الإنسان أمراض نفسه وثغرات شخصيته بمدارسته للقرآنِ الكريم وكثرة تلاوته ، وقيام الليل ، واخراج الصدقات ، والاعتكاف .

وهو شهر الربح  ، ومضاعفة الأجر ؛ لذا فإن وافر اللبُّ ، حصيف العقل من خرج بعد رمضان وقد ربح بيعه ، وتضاعف أجره ، فهو أثمن فرصة لزيادة الأجر وللعبور إلى جنة الرضوان ، فلا تجعل صيامك في شهر رمضان مجرد عادة تعودت عليها ، بل اجعله هدفاً وغاية لتعديل سلوكياتك الخاطئة ، واحرص على أن تكون أنفاسك فيه تسبيح ، ونومك فيه عبادة ، فيكن عملك فيه مقبول ، ودعاؤك فيه مستجاب ـ بفضل الله تعالى ـ كما قال الشاعر:

أُوْصِيـكَ خَيْـراً بأيامٍ نُسَافِرُهَـا       ***      فِي رِحْلةِ الصّومِ يَحْيَا القَلبُ نَشْوانَا

ومن المعلوم ـ أيضاً ـ أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد والنية ، فقد ذكر بعض العلماء قاعدة مفادها ” أن الحسنات تتضاعف في الزمان والمكان الفاضل ” ، فكلما كان الزمان أفضل كان العمل الصالح فيه أفضل ، وقد ورد في السنة المطهرة أنَّ للعمرة في رمضان ثوابٌ مضاعف عنها في بقية الأيام ، فالعمرة في رمضان تعدل ثواب الحج ـ وإن كان لا يقوم مقامه في إسقاط الفرض ـ إلا أن لها فضل وخصوصية في الأجر ، وها هو ذا ابن عباس رضي الله عنهما، يخبرنا بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لامرأة من الأنصار حيث يقول : ما منعك أن تحجين معنا ؟قالت : كان لنا ناضح ، فركبه أبو فلان وابنه ، – زوجها وابنها – ، وترك ناضحاً ننضح عليه ، فقال لها عليه الصلاة والسلام ” فإذا كان رمضان اعتمري فيه ، فإنَّ عُمرةً فيه تعدِلُ حجَّةً ” (صحيح مسلم [1256])، وفي رواية لمسلم : ” حجَّةً معي ” ، وهنا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد المرأة التي فاتها الحج إلى القيام بعمرةٍ في رمضان ، فهو شهر الخير، وأيامه أيام البركة ، ومضاعفة الأجر ، ففضل الله لا يُحَدّ ، وإحسانه لا يُعدّ .

وعلى الراجح أن الفضل في هذا الحديث عام لكل من اعتمر في شهر رمضان ، فالعمرة فيه تعدل حجة لجميع الناس ، وليس مخصوصا بأشخاص أو بأحوال . فمن بقيَ إلى جوار البيت الحرام في شهر رمضان المبارك فقد لحقه أجرٌ عظيم ، وثواب مضاعف .

اللهم ارفع  البلاء عن البلاد والعباد ، وردنا إلى بيتك المحرم سالمين غانمين … اللهم آمين

زر الذهاب إلى الأعلى