الصدقة فى رمضان

بقلم الأستاذ الدكتور / جمال عبد الوهاب الهلفي ـ عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بدسوق

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ، وَالنَّاسُ يَغْدُونَ ، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا ، أَوْ مُبْتَاعٌ فَمُعْتِقُهَا.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا Q وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ,  وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , َأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ , وحجته على عباده ، أرسله ربه رحمةَ للعالمين ، وقدوةَ للعالمِين .

يقول الله تبارك وتعالي : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . فغاية الصيام التقوي وهي مجمع الخيرات

ويقول أيضاً : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .

فشهر رمضان شهر الهداية الربانية ، وشهر المنحة الإلاهية ، وشهر االنفحات السماوية شهر  التراحم والتعاطف شهر التكافل بين بني البشر جميعاً ولذلك نجد النَّبِيِّ r يقول : « لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ »

أيها المستمع الكريم : ما من عبد إلا سائلهُ رَبُهُُ يَومَ القيامةِ ، كما  جَاء في سُنَنِ الترمذي عَنْ عَبدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ

الصدقة تقي صاحبها من هول يوم القيامة وتظله من حره  كما جاء عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ أنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ :« كُلُّ امْرِئٍ فِى ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ .

الصدقة تقي صاحبها من المخاطر وتحفظه من الأهوال كما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ” إِنَّ اللَّهَ لَيَدْرَأُ بِالصَّدَقَةِ عَنْ صَاحِبِهَا، سَبْعِينَ مَيْتَةً مِنَ السُّوءِ .

وعَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ r وَهُوَ يَقْرَأُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قَالَ « يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِى مَالِى – قَالَ – وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ».

وروي أن محمد بن كعب القرظي أصاب مالاً كثيراً  : فقيل له لَوْ ادَّخَرْته لِوَلَدِك ؟ فَقَالَ بَلْ أَدَّخِرُهُ لِنَفْسِي عِنْدَ رَبِّي ، وَأَدَّخِرُ رَبِّي لِوَلَدِي.

يقول الله عز وجل ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا )

أيها المستمع الكريم : الصدقة تجارة مع الله رابحة يقول الله تبارك وتعالى  : مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  سورة البقرة 261 ـ 262 

وجاء في سنن أبي داود عَنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْىٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ ، وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ.

وجاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِى. قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِى فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِى عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِى. قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِى فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِى يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِى. قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِى فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِى ».

فإن كانت الصدقة بالمال هي أبرز أنواع الصدقات إلا أنها ـ من فضل الله علي خلقه  ـ ليست النوع الوحيد فيها حتى لا يُحرم الفقيرُ معدومَ المالَ أجرَها  ، وأن يذوق حلاوتَها فقد جاء عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ : تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ تُكْتَبُ لَكَ صَدَقَةٌ ، وَإِمَاطَتُكَ الشَّوْكَةَ وَالْحَجَرَ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ، وَإِرْشَادُكَ الضَّالَّ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.

وفي الختام أقول إن لكل شيء مرض ومرض الإنفاق الرياء والمن وهو بالنسبة للصدقة مرض قاتل مبطل لأثرها محبط لأجرها قال الله تبارك وتعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ .

والعرب تقول ليد من يمن بما ينفق : يد سوداء. و تقول ليد من يعطى عن غير مسألة: يد بيضاء. و تقول ليد من يعطى عن مسألة: يد خضراء.

ويقول بعض البلغاء: من منَّ بمعروفه سقط شكره ، ومن أعجب بعمله حبط أجره .

هذا والحمد لله في البدء وفي الختام   والصلاة والسلام على خير الأنام

زر الذهاب إلى الأعلى