ملتقى الجامع الأزهر للقضايا المعاصرة: القرآن الكريم يؤسس للتعايش المجتمعي على قيم وحدة الأصل الإنساني وحرية الاعتقاد والعدل والإحسان
عقد الجامع الأزهر اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: “منهج القرآن في التعايش المجتمعي.. رؤية إسلامية”، بحضور الأستاذ الدكتور مجدي عبد الغفار، رئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية السابق بكلية أصول الدين، والأستاذ الدكتور ربيع الغفير، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، وأدار اللقاء الأستاذ محمد جمعة، الإعلامي بإذاعة القرآن الكريم.
وقال فضيلة الأستاذ الدكتور مجدي عبد الغفار إن القرآن الكريم قرر وحدة الأصل الإنساني، وجعلها قاعدة أساسية في التعامل بين البشر، بعيدا عن الاختلاف في الأجناس والألوان واللغات والانتماءات، فقال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”، وهذا النداء القرآني الموجه إلى الناس جميعا يؤكد أن الاختلاف بين البشر ليس مبررا للتنازع أو التمييز، وإنما هو مدخل للتعارف والتعاون وتبادل المنافع والخبرات، وأن معيار التفاضل الحقيقي يرتبط بالتقوى والعمل الصالح، لا بالأصل أو اللون أو المكانة الاجتماعية، والقرآن الكريم وضع حرية الاعتقاد في مقدمة المبادئ التي تحفظ التعايش، فالإيمان لا يتحقق بالإكراه، وإنما يقوم على الاقتناع والاختيار، قال تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”، كما قال سبحانه: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”، وهو ما يؤكد أن المنهج الإسلامي يدعو إلى عرض الحق بالحكمة والبيان، واحترام الإنسان، والابتعاد عن فرض المعتقدات بالقوة، بما يرسخ ثقافة الحوار ويغلق أبواب التعصب والكراهية.
وأضاف فضيلة الأستاذ الدكتور مجدي عبد الغفار أن التعايش المجتمعي في المنهج القرآني يقوم على مجموعة من الركائز المتكاملة، يأتي في مقدمتها العدل الذي يحفظ الحقوق ويمنع الظلم، والبر والإحسان إلى المسالمين، والحوار الذي يتيح تبادل الأفكار ومعالجة الخلافات بالحكمة والاحترام، مؤكدا أن القرآن الكريم لم يجعل الاختلاف في الدين سببا للعداوة أو الاعتداء، بل دعا إلى إقامة العلاقات الإنسانية على البر والقسط، فقال تعالى: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”، كما أمر الله تعالى بالعدل والإحسان، فقال سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”، وهذه المبادئ لا تقتصر على الجانب النظري، بل ينبغي أن تتحول إلى سلوك يومي في الأسرة ومؤسسات التعليم والعمل ومختلف مجالات الحياة، من خلال احترام حقوق الآخرين، وصيانة كرامتهم، والابتعاد عن الإساءة والتنمر والتحريض، وتغليب لغة التفاهم على منطق الخصومة، كما أن الاحتكام إلى حكم الله وعدله يمثل أساسا أخلاقيا يوجه الإنسان إلى الإنصاف وعدم اتباع الهوى، قال تعالى: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ”، بما يعزز المسؤولية الدينية والأخلاقية في إقامة العدل وحفظ السلم المجتمعي.
من جانبه، قال فضيلة الأستاذ الدكتور ربيع الغفير إن قضية التعايش تحتل مكانة أصيلة في رسالة الإسلام، وإن الرسالات السماوية جاءت لهداية الإنسان وإقامة مجتمعات تقوم على الإيمان والقيم والأخلاق، وتتحقق فيها معاني الرحمة والتعاون والتكافل، مشيرا إلى أن المبادئ الإسلامية لا تنفصل عن بناء الإنسان القادر على احترام غيره والتعامل معه بإنصاف، مهما اختلفت خلفيته أو معتقده، موضحا أن القرآن الكريم أكد وحدة الرسالات في أصل دعوتها إلى عبادة الله وإصلاح الحياة، فقال تعالى: “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ”، كما قرر أن الاختلاف بين الناس واقع بحكمة إلهية، وأن الواجب هو توجيه هذا الاختلاف نحو التعارف والتنافس في الخير، لا تحويله إلى صراع أو سبب للقطيعة، مضيفا أن السنة النبوية جعلت المحبة والتآلف بين الناس من دلائل كمال الإيمان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”، مبينا أن نشر السلام وإشاعة المحبة وإزالة أسباب الشحناء من الأعمال التي تقوي الروابط الاجتماعية، وتبني الثقة بين أفراد المجتمع، وتمنع تحول الاختلاف في الرأي أو المعتقد إلى خصومة وعداء، لأن التعايش الحقيقي يبدأ من وعي الإنسان بأن احترام الآخرين لا ينتقص من اعتزازه بدينه، بل يعبر عن فهم صحيح لتعاليمه والتزامه بقيمه.
وبين فضيلة الأستاذ الدكتور ربيع الغفير أن الغاية من منظومة القيم الإسلامية هي بناء مجتمعات متماسكة ومتناغمة، يعيش أفرادها في سلام وأمان، ويتعاونون على تحقيق المصالح المشتركة، مع احترام التنوع وصيانة الحقوق والالتزام بالمسؤولية تجاه الآخرين، ىالتسامح لا يعني التنازل عن الثوابت، كما أن الاختلاف لا يبرر الإساءة أو الاعتداء، وإنما يقوم التعايش على الجمع بين الاعتزاز بالهوية والالتزام بأخلاق الحوار والإنصاف وحسن التعامل، والقرآن الكريم رسم منهجا واضحا لإدارة الاختلاف، يقوم على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال تعالى: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”.